تخاذل القطاع الخاص وشماعة الأخطاء الحكومية

كتب: فادي المجالي

في اطار تسمية الامور بمسمياتها وفِي اطار وضع الامور في نصابها الحقيقي ونحن بصدد تقيم علاقة شبه معقدة بين طرفين رئيسيين وشريكين متلاصقين لبناء مسيرة تقدم وازدهار الوطن.

الحكومة والقطاع الخاص ولأهمية التوضيح البالغة فأرجو ان لا يفهم القارئ انني بصدد الدفاع عن الحكومة او مهاجمة القطاع الخاص بقدر ما أحاول ان أضع الامور في نصابها الحقيقي وأشير بوضوح الى علاقة معقدة وغير ناضجة “في بعض الاحيان” بين قطاعين كان من المفترض ان تكون علاقتهما علاقة تشاركية صحية ناجزة وخلاّقة.

ولتوضيح ما ارمي الذهاب اليه فلا بد ان اتفق مع كل فرد ومؤسسة وشركة في القطاع الخاص وانا أحد افراد هذه المنظومة العريضة بالاردن بضرورة ان تُسارع الحكومة لاتخاذ كل قرار من شأنه تسهيل وتسريع وانجاح عمل القطاع الخاص لتحريك الدورة الاقتصادية وبث روح التفاؤل لدى الشارع الاقتصادي وعلى رأس هذه الاوليات اعادة النظر في كثير من الضرائب واعادة دراسة فاتورة الطاقة التي تؤثر بصورة مباشرة على قطاعنا الاقتصادي واهمية تحقيق استقرار تشريعي واداري في مؤسساتنا كافة ما يحقق طمأنينة للمستثمر .

وبخلاف الحديث عن تلك المطالبات الرئيسة والتي ما انفكينا يوماً عن الحديث عن اهميتها وضرورتها وعن كونها شرطاً يُعلّق عليه اعادة الروح والالق لاقتصادنا الوطني وجذب مزيد من الاستثمارات فان الحكومات قد قدمت كثيرا ما كان من شأنه الدفع قدماً بعجلة اقتصادنا في الوقت الذي تخاذل وتقاعس فيه القطاع الخاص عّن القيام بابسط ما كان يجب عليه القيام به.

وهنا اود التركيز على مفارقتين بسيطتين في اطار التدليل على كيف ان قطاعنا الخاص قد تقاعس وتخاذل في مواطن كان يفترض ان يكون هو المبادر ولا ينتظر هذا الدور من الحكومة.

-المفارقة الاولى في الحديث عن ( اتفاق تبسيط قواعد المنشأ) الذي نجحت الحكومة بإبرامه في العام 2016 وتحديدا بعد مخرجات مؤتمر المانحين في لندن حيث جاء هذا الاتفاق ليعزز قدرة الصادرات الأردنية للولوج الى الاسواق الاوروبية و تخفيض عجز الميزان التجاري الذي يميل لصالح الاتحاد الاوروبي. بالاضافة لتعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية في الاردن من خلال جذب مزيد من الاستثمارات الى المناطق الصناعية والتنموية المدرجة ضمن الاتفاق ثم الى باقي مناطق الاردن ما يعني جذب مزيد من الاستثمارات وخلق مزيد من فرص العمل .

ثم عاودت الحكومة في منتصف 2017 لتفاوض الجانب الأوروبي حول منح مزايا إضافية للأردن وحصلنا على ما نريد وبدأت الحكومة بحملات ترويجية و ورش عمل لتوعية القطاع الخاص بأهمية هذا الاتفاق لكن الصادرات الأردنية لم تستفد من الاتفاق بالحجم المأمول حيث لم تنجح سوى اقل من عشر شركات اردنية خلال الاربع سنوات الماضية بتصدير ما قيمته حوالي 75 مليون دينار وهو رقم ضئيل ومتواضع جدا مقارنة الى حجم القطاع الصناعي في الاردن و المدة التي مرت على دخول الاتفاق حيز التنفيذ، ومقارنة أيضاً مع ما تنتجه وتصدره سنوياً شركة متوسطة الحجم في الصين او اليابان.

استمعت مراراً لتصريحات صناعيين اردنيين يعللون سبب فشل الاتفاق الى العديد من التحديات والمعوقات أهمها ضعف حملات الترويج والتسويق للمنتجات الاردنية داخل الاسوق الاوروبية و الحاجة الى تحقيق مواصفات عالية الجودة لقبول دخول المنتج الاردني للسوق الاوروبية بالاضافة لضرورة تحديد احتياجات السوق من خلال فهم سلوك المستهلك الاوروبي، عدا عن ارتفاع كلف الحملات الترويجية والمشاركة بالمعارض التي تقام بالدول الاوروبية.

تصريحات تؤكد تخاذل القطاع الخاص بالقيام بواجبات تفرضها عليه مصلحته الخاصة اولا واخيرا فمن هو المعني بترويج المنتجات الاردنية والعمل على تسويقها، الشركات والمصانع التي تنتج هذه البضائع أم الحكومة ؟! وعندما تقرر شركة الدخول لسوق معينة فمن هو المعني بدراسة خصائص هذا السوق والمستهلكين فيه، الشركة أم الحكومة؟! وباستثناء بعض المعارض الترويجية التي تتبناها الحكومات من وقت لاخر فمن المعني بدفع تكاليف المشاركة في معرض للصادرات في اوروبا او افريقيا، المصنع الذي يرغب بالمشاركة ام الحكومة؟! من المعني بضرورة تطوير جودة منتجاته وجودة تغليفها ومنافسة سعرها، الشركة ام الحكومة؟! .

الحكومات تؤدي ادواراً تدعم هذه التوجهات جميعها تماماً كاتفاقية تبسيط قواعد المنشأ التي انجزتها الحكومة وجاء دور القطاع الخاص ليفيد نفسه بتطبيقها وتنفيذها، او لربما من خلال دعم بعض المشاركات في المعارض الدولية من خلال الاذرع التابعة للحكومة مثل مؤسسة ” جدتكو ” بينما يكون على القطاع الخاص عبء البحث عن الفرصة ومطابقة المعايير اللازمة للاستفادة منها.

– المفارقة الثانية التي تشير الى تخاذل القطاع الخاص وتجاهله لابسط الابجديات اللازمة للنهوض بأعماله رصدتها في اطار البحث الذي اعده لنيل درجة الدكتوراة والذي يتحدث عن كفاءة الموظفين في الشركات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص حيث تشير نتائج الدراسة الى انخفاض نسبة استثمار القطاع الخاص الاردني في تدريب وتطوير مهارات موظفيه عند نسبة مئوية لا تتجاوز 17% بينما ترتفع في دول العالم الاول الى ما يتجاوز حدود 80% ولنا ان نتخيل حجم الجهل لدى قاعدة عريضة من شركاتنا ومصانعنا عندما تترك موظفيها وحجر الاساس فيها بدون تدريب او تطوير لمهاراتهم ما ينعكس سلباً على كفائتهم وعلى اداء الشركات بشكل عام، وعلى غرار التدريب والتطوير تستمر دراستي البحثية حول محددات عدة تتعلق بالموظفين في القطاع الخاص الاردني كالمكافأة والتحفيز وانا على يقين ان النتائج لن تكون افضل حالاً من التدريب والتطوير.

قطاعنا الخاص يحتاج الى ثورة شاملة في نمطية التفكير سيما فيما يخص دور الدولة والتزاماتها ويحتاج لاعادة انتاج استراتيجيات ديناميكية تحفز على الابتكار والابداع و تقوده الى الدخول الى عالم متسارع جدا عنوانه المنافسة الحادة بين شركات اصبح السوق امامها مفتوحاً والوصول الى المستهلك امراً غاية في البساطة في عالمٍ رقمي بات الولوج اليه اسهل من ذي قبل، قطاعنا الخاص يحتاج الى الاستثمار في موظفيه من خلال تدريبهم وتطويرهم وضمان ولائهم، يحتاج الى الادراك ان تحقيق الربحية يقتضي ضرورة الانفاق بسخاء وليس انتظار الدولة لتنفق بالنيابة عنه، يحتاج الى اعادة النظر الى قواعد المنافسة ومقارنة نفسه بشركات القطاع الخاص في دول مجاورة.

*رئيس جمعية سيدات ورجال الاعمال الاردنيين المغتربين.

زر الذهاب إلى الأعلى