سياسي بلا هوية

سميح المعايطة

ما دمنا ندخل بالدولة مرحلة العمل الحزبي والبرلمانات الحزبية والحكومات الحزبية فإن هذا يعني نظريا أن المؤسسات أصبحت سياسية وأن من فيها من الحزبيين والنواب والوزراء ورؤساء الوزارات سياسيون أو عاملون في السياسة، والعمل في السياسة ليس تناقل الأخبار أو ادعاء المعرفة السياسية أو انتقال الشخص من حضن حزب إلى حضن حزب آخر أو من "شلة" تتحدث بأخبار السياسة إلى أخرى، لكن السياسي لون وهوية وموقف ووجهة نظر وحضور بمضمون وليس بشبكة خدمات يقدمها هنا أو هناك.
في بلادنا وكل الدول فإن الأشخاص الذين ما زالوا حاضرين في ذاكرة الناس هم من كان لهم لون واضح وكانت لهم هوية سياسية بمعالم وحدود، بعضهم دفع ثمن هذه الهوية السياسية إما حياته أو تم إقصاؤه ليس لقلة وفائه لبلده بل لأن لوفائه مضمون.
كثيرون يتولون في بلادهم مواقع أصلها سياسي لكنهم يأتون ويغادرون ولا يتركون لهم لونا معلوما، ولا يمكن معرفة تفاصيل مواقفهم من قضايا البلد والأمة، هم حصلوا على فرص لأسباب عديدة وجلسوا في مواقع سياسية لكنهم لم يكونوا يوما من أهل السياسة ولم يكن لهم مضمون يمكن أن تعرفهم به سوى شبكات العلاقات والتسلل هنا أو هناك.
البعض يعتقد أن المواقف العامة هوية ولون للسياسي وهذا غير صحيح، فالمواقف العامة مضمون جماعي، وأحيانا يهرب إليها من لا لون له عندما يتحدث، لكن اللون والهوية للسياسي في القضايا والمحطات المهمة ومفاصل الدولة، أما الحديث العام عن الدولة والانتماء لها….. فهذا كله حديث للجميع، لكن اللون هو الموقف من القضايا الكبرى، فلا سياسي أو مؤسسة سياسية تستحق هذا الوصف إذا اختبأت في ثوب فضفاض لا تتبين معه ملامح هوية الشخص أو المؤسسة.
في داخل الدولة اللون الأصلي والقاسم المشترك هو الإيمان بالدولة والدستور والالتزام بالقانون، لكن اللون والهوية هو موقف الشخص والمؤسسة من الأمور الكبرى، ولهذا فعندما نقيم الأحزاب التي ستكون أدوات الدولة في بناء المرحلة القادمة فإن السؤال عن هوية الحزب ولونه ومواقفه وكذلك الأمر للسياسي، فالكلام العام ليس موقفا ولونا تماما مثل المسؤول الذي لا يملك شيئا يقدمه في موقعه سوى حديثه عن توجيهات الملك وهو على الأرض لا يطبق شيئا منها.
كل الشخصيات والجهات التي بقيت حاضرة في تاريخ دولها وشعوبها هي التي كان لها هوية، أما من عاشوا وماتوا لا لون ولا طعم ولا رائحة لهم، فهم أشبه بمضغ القطن لا طعم له ولا يشبع صاحبه.
راقبوا كل الدول فإن الباقين في ذاكرة الدول والمؤثرين في مسيرتها هم السياسون أصحاب الهوية والمضمون، أما أصحاب الحديث العام فهم موظفون في مواقع سياسية حتى وإن طالت إقامتهم في مواقعهم فهذا لا يعني شيئا سواء كانوا أحياء أو أمواتا إلا إذا كانوا ماهرين في أمور أخرى وأنواع التجارة، وكل ما هو قادم في بلادنا من مشروع سياسي أهم عناصر نجاحه أن تكون أدواته سياسية ورجاله سياسيون بلون وهوية وإلا فالأمر له وصف آخر.
اللون والهوية السياسية والمضمون هو اللي يجعل الشخص يقرر الذهاب خلف هذه الشخصية أو ضمن هذا الحزب، أما إن غابت الهوية فلا قيمة للاختيار إلا اعتبارات أخرى.






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق