‏”إسرائيل ” أضعف مما نتصور

حسين الرواشدة

لم ترد إسرائيل حتى الآن على الصواريخ التي انطلقت من غزة وجنوب لبنان ، ما يعني ، ربما ، ان قوة الردع الإسرائيلية تراجعت ، وأن خيارات نتنياهو الداخلية والخارجية أصبحت محدودة ، وأن امكانية الهروب من ازمته من خلال تصديرها للخارج لم يعد سهلا ولا متاحا، التراجع الإسرائيلي لا يتعلق ،فقط ، بالتردد في إعلان الحرب ، وإنما بكسب التأييد و التعاطف الدولي ، وتحديدا الأمريكي ، خذ مثلا ، آخر استطلاع أجراه معهد غالوب يشير إلى أن 49 %من الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين ، مقابل 38% مع الإسرائيليين.

‏في السنوات الخمس المنصرفة – كما ينقل الصحفي ياسر أبو هلاله عن الباحثة ليديا سعيد – شهد تعاطف الرأي العام الأمريكي مع إسرائيل ، انخفاضا حادا، خاصة بين جيل الألفية ، في حين أن هذا التعاطف كان ثابتا على مستوى أعلى بين الأجيال الثلاثة الاكبر سنا، وراء هذا التراجع اكثر من سبب ، منها ما يتردد داخل اللوبيات اليهودية من مخاوف على مستقبل إسرائيل في ظل حكومات أكثر تطرفا، يمكن أن تتسبب في حروب دينية مدمرة ، ومنها ما يتعلق بالتحولات التي طرأت على صورة الاحتلال لدى الأجيال الجديدة ، نتيجة ممارسات إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين ، وذلك بفضل ثورة الاتصالات التي نجح الفلسطينيون استثمارها ، زد على ذلك أن الكيان تحول ،فعلا ، الى عبء على كثير من الدول التي تدعمه.

‏صحيح ان موازين القوى ما زالت تصب في مصلحة الاحتلال ، صحيح ،أيضا ، أن حالة الهوان العربي مدعومة بالانقسام الفلسطيني ، ما زلت تضغط باتجاه صناعة صور تتكرر فيها عناوين النكبة والهزيمة والنكسة ، سواء بسبب الواقع ، أو باستدعاء التاريخ، لكن الصحيح الذي يجب أن ندقق فيه هو أن الفلسطينيين ،أقصد الشعب المقاوم ، يسجل كل يوم انتصارات متتالية على الأرض المحتلة وخارجها ، ويكسب المزيد من المنصفين ، و أصحاب الضمائر في العالم ، لا بل وبعض المواقف السياسية للدول ، آخر الانتصارات ما جرى في القدس ، حيث فرض “المعتكفون ” بالأقصى ارادتهم عن الكيان المحتل.

‏بموازاة صورة إسرائيل التي نتطوع – كعرب- بتضخيمها والنفخ فيها ،والتخويف منها ، ثمة صورة أخرى لإسرائيل “الضعيفة “التي تتراجع ،وتفقد قدرتها على الردع، ويتغلغل فيها الفساد ، ويشهد المجتمع فيها حالة من الانقسام واللاتوازن ،وافتقاد الأمن والاستقرار ،وغير ذلك من عوامل ” الانفجار الداخلي” ، هذه الصورة الأخيرة يجب أن نقرأها ونعممها، ليس فقط لإشاعة روح الثقة وسط محيطنا العربي والفلسطيني، ولا للتقليل من وطأة الأحساس بقلة الحيلة ،وعدم القدرة على المواجهة ، وإنما، أيضا ،لاستغلال عناصر ضعف الكيان ، بما لدينا من أوراق قوة ، والتعامل معه كما هو في الواقع ، لا كما يريد أن نراه، او نخشاه.

‏نقطة الضعف التي نعاني منها ، وتصب بخزان قوة المحتل ، هي الثغرة التي فتحتها بعض العواصم العربية للتطبيع مع تل أبيب، هذه الثغرة التي دخلت منها إسرائيل كانت -في الهدف والتوقيت -،تسير عكس اتجاه التاريخ ، وضد مواقف العالم من هذا الكيان المغتصب ، وبعكس تقدير حالة الأزمة التي يعاني منها ، المفارقة أن بعضنا يتطوع أن ينقذ المحتل من أزماته الداخلية والخارجية ، ربما لاعتبارات ضيقة الأفق ، أو لمصالح عابرة ، فيما الحقيقة أنها مكلفة جدا على المدى البعيد .

‏لدى العرب والفلسطينيين -إن أرادوا – اوراق وخيارات مؤثرة وقادرة على صناعة معادلة ردع مع الكيان الصهيوني ، وربما من حسن حظنا ان ممارساته العدوانية ، وما يجري داخله من تحولات سياسية واجتماعية ، تمنحنا فرصة اكبر لاضعافه ومحاصرته، وإغراقه بأزماته، وإقناع العالم انه دولة “آبار تايد ” وبؤرة جاهزة لإطلاق حرب دينية ، وعدو للإنسانية ، هذا الجهد يحتاج منا الخروج ، أولا ، من دائرة الأحساس بالهزيمة والضعف والاستهانة بأنفسنا، وثانيا إلى مواقف فلسطينية مقاومة ، وعربية داعمة ، وثالثا إلى نضال متراكم على كل الجبهات ، وبكافة الوسائل ، في الداخل والخارج على حد سواء.






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق