الكل ربح إلا فلسطين والأقصى

د. منذر الحوارات

تسلط عدسة الكاميرا على مجموعة من جنود الاحتلال وهم يقتحمون المسجد الأقصى، ويبدأون بضرب وركل المصلين والمصليات بشكل مثير للاشمئزاز أمام مرأى ومسمع العالم بقادته وشعوبه، ورغم تكرار المشهد بشكل يومي إلا أن أحداً لم يحرك ساكناً، البعض عبر عن غضبه وآخرون عن استيائهم، وغيرهم أدانوا واستنكروا، لكن رغم ذلك بقي الوضع على ما هو عليه، اقتحامات يومية واعتداءات غير إنسانية على المصليين، يضاف إليها طوابير الإذلال لعشرات المعتقلين بدون أي احترام لمشاعرهم الإنسانية، كل ذلك لأن دولة الاحتلال كما تدعي تريد إن تضمن حرية العبادة في المسجد الأقصى، وتتناسى عن عمد أنه لا حرية لعبادة المسلم في الكنس اليهودية، وكذلك الأمر بالنسبة للكنائس المسيحية، وأيضاً في المعابد البوذية، كل دين يُخصص له مكان لعبادة أتباعه، إلا هنا في المسجد الأقصى وقبله في الحرم الإبراهيمي، هي تريد أن تقاسم المسلمين والمسيحيين دور عبادتهم التي مارسوا طقوسهم فيها منذ قرون.
هي تفعل ذلك ليس من فراغ فمثلما طمست تاريخ فلسطين كما تعتقد وحولته إلى تاريخ إسرائيل تريد الآن أن تطمس التاريخ الآخر في هذا البلد، وهو تاريخ الدين وأماكن التدين، وتحولها إلى اليهودية كمقدمة لإخفاء هذا الشعب، وكل ما يمت إلى تاريخه وهويته بصلة، وهذا يؤكد أن فكرة تهويد الأماكن المقدسة لا تقتصر على من يقولون أنهم اليهود المتطرفون بل هي أبعد من ذلك بكثير، وهؤلاء المتطرفون ليسوا سوى أدوات في خطة تهويد هذه الأماكن، لكن لا يبدو الأمر سهلاً على قوة الاحتلال، فلا بد من استخدام القوة المفرطة لتحقيق هذا الحلم، وهذا يسيء لسمعة الدولة شديدة الديمقراطية! ويشوه منظرها أمام العالم، فالمقدسيون شديدو المراس ومستعدون للدفاع عن الأقصى حتى آخر نفس وهم لا يلقون بالاً لكل ما تفعله إسرائيل، وبالتالي يزداد اضطرارها لاستخدام القوة، ولأن الكاميرات حاضرة فإن هذه المشاهد ستنتقل إلى العالم وتعري زيف الادعاءات الإسرائيلية.
لكن فجاءة وبدون سابق إنذار تنحرف الكاميرا بعيداً عن القمع الذي تمارسه قوات الاحتلال في الحرم وتتجه صوب وابل من الصواريخ تنهمر على دولة الاحتلال من كل حدب وصوب إنه الفرج، لقد توحدت الساحات واجتمع القادة وقرروا أن الوضع لم يعد بالإمكان السكوت عليه، إنها لحظة القدس وربما لحظة فلسطين كاملة، وبدأت أتابع الشاشات واستمع لآراء المحللين فوجدت موجة هائلة من التفاؤل فالكل أجمع على أن المعادلة تغيرت وإلى الأبد وأن إسرائيل أصبحت ضعيفة وما هي إلا مسألة وقت حتى تنهار وتتفكك وأن بيتها أصبح أوهن من بيت العنكبوت وكأني لوهلة بدأت استمع إلى الشعارات عشية حزيران عام 1967، وفي غمرة ذلك الحديث لم أعد أسمع شيئاً عن الأقصى فعلى ما يبدو أن الأمور أصبحت على أحسن ما يرام هناك بعد أن ارتدعت إسرائيل من هول ما جاءها، لكني أيضاً بحثت وبتأن عن أسماء القتلى من قوات الاحتلال نتيجة الصواريخ لكني لم أفلح في أن أجد اسماً واحداً ولعلي أفلح فيما لو أعدت المحاولة، ومع يأسي من العثور على أسماء رغم تكرار المحاولات اضطررت للعودة من جديد إلى الأقصى وهناك كانت صدمتي مضاعفة فلم يتغير شيء ما تزال قوات الاحتلال تمارس نفس أعمال القمع اللاإنسانية ضد المصلين لم أصدق لكن هذه لحظة الحقيقة.
بدا لي أخيراً أن تلك الصواريخ لم تكن محملة بالذخائر بل كانت حمولتها تقتصر على الرسائل وبحبر سائل مداده دماء أهل المدينة المبجلة، طبعاً ليس أفضل من لحظات القدس لإيصالها وتلك الحمولة تخص الجميع باستثناء المدينة المقدسة، فهي تخص إيران ورسالتها أن حزام الصواريخ حاضر ومتوحد في حال قررتم ارتكاب أي حماقة في إيران وليس في أي مكان آخر ونفس الرسالة وجهت أيضاً عبر القدس إلى الولايات المتحدة بأن حليفكم في خطر، وتخص أيضاً حزب الله الذي يثبت من جديد بأنه قادر على أن يمارس دوره كأداة إيرانية في الداخل والخارج اللبناني وتخص هذه الرسائل المنظمات الأخرى التي تريد أن تؤكد أنها ضمن تحالف أبعد من قطاع غزة مدعوم بقوى ضاربة، وبالمثل كان رد إسرائيل أيضاً رسالة موجهة عبر رسائل المدينة المقدسة بأني فهمت اللعبة ولكم ما تريدون مؤقتاً، حتى الولايات المتحدة ردت برسالتها الخاصة عبر غواصتها النووية يو اس اي لتثبت من جديد أنها لا تهمل مكاتيب الأحبة وأنها حاضرة عند الضرورة، وصلت كل الرسائل إلى مستلميها والجميع أكد أنه انتصر.
لكن مكان واحد حيث هي لحظته بقي يئن ويخسر إنه الأقصى ومصليه استمروا في دفع ثمن تمسكهم بفلسطينية وإسلامية مسجدهم ومدينتهم، وهم لن يبخلوا عن تقديم أرواحهم ثمن لبقاء مدينتهم كما يحبون وإن طال الزمن، وهذا يؤكد أن الفلسطيني الفرد الثائر لكرامة وطنه هو القوة الضاربة الحقيقية القادر على قلب ميزان الصراع داخل الأراضي المحتلة ونحن معه ومعه فقط.






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق