رؤساء من داخل الصندوق أم من خارجه؟

حسين الرواشدة

لم يخرج، حتى الآن، «الدخان الأبيض «، من لجنة تقييم رؤساء الجامعات، المعلومات المتاحة تشير إلى أن 10 رؤساء يخضعون للتقييم، وأن ماكينة الفرز ستشملهم دون اعتبار للمدد التي قضوها في مواقعهم، ومن المتوقع أن يتم استبدال نحو نصف هؤلاء تحت بند «ضعف الاداء»، فيما ستتحرك عجلة التعيين على مقاسات لا نعرفها، ووفق معايير لم يجر الأفصاح عنها حتى الآن.

‏أعرف، تماما، أن «الفلاتر « التي ستمر منها عملية التقييم، ثم التعيين، غير متاحة للرأي العام، أعرف، ثانيا، أن هذه العملية كانت تجربة مرّة، شهدت في السنوات الماضية حالة من الإرتباك والانتقاد، وتحولت الى خزان للمظلوميات، والخسارات ايضا..

أعرف، ثالثا، أن اي نقاش يثار حول الموضوع سيظل أسيرا لفكرة التعيين وآلياتها، كما أن الغضب، او ربما العتب، الذي ينتاب بعض الرؤساء الذين سيخلون مواقعهم سيعدينا لاشكالية التقييم، فهؤلاء كما دخلوا لمناصبهم ب»كبسة التعيين المفاجئ «، أخرجوا منها «بكبسة التقييم العابر «، وهذا أمر متوقع، ما دام أن الماكنة التي أفرزت الجميع تدور على سكة واحدة.

‏منذ سنوات طويلة، ونحن نتداول قضية إصلاح التعليم العالي، و نتساجل حول أوضاع الجامعات في بلدنا، لكن يبدو أن حسم هذا الملف مازال مؤجلا، وأننا ما نزال نتعامل معه بمنطق التجريب غير المدروس، يكفي أن أشير إلى أن سنة واحدة في ظل رئيس غير كفؤ تسبب بتراجع ( تدهور ربما) الاداء في إحدى الجامعات، يحتاج لعدة رؤساء، و عدة سنوات، وأموال ومديونيات طائلة، لإصلاح ما تم تخريبه.

يكفي، أيضا، أن ندقق بالتجاوزات وشبهات الفساد والقضايا المنظورة أمام المحاكم في بعض الجامعات، لنكتشف أن اوضاع جامعاتنا، وفق العملية الحالية لتقييم الرؤساء وتعيينهم، ليست على ما يرام، والسؤال دائما :ما العمل، ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟

بصراحة، لكي لا ندفع فاتورة رداءة التعليم، وهي مكلفة اكثر مما يتصور البعض، ولكي نخرج من حقل التجريب بجامعاتنا من خلال تقييم الرؤساء وتعيينهم، ثم اكتشاف انهم أخطأوا، او اننا اخطأنا، وهكذا دواليك، لا بد أن نوجّه نقاشنا العام لاستدعاء افكار من خارج الصندوق، أشير لمسارين فقط على سبيل التذكير، وإثراء النقاش العام.

الاول: لا بد من اصلاح التعليم العالي بكافة مجالاته ومناهجه واداراته، واعادة الاعتبار للجامعات ودورها بالمجتمع « كمؤسسات دولة»لا كملاذات للترضية، وهنا يبدو السؤال الاساسي : من يتولى عملية اصلاح التعليم والجامعات، او من هم المؤهلون للقيام بهذه المهمة، وزارة التعليم العالي مثلا؟ ام اننا نحتاج الى لجنة وطنية تضم خبراء موثوق فيهم ( كما فعل الرئيس الامريكي ريغان عام 1983 حين كلف 18 عضوا ينتمون للقطاع الخاص والحكومي التعليمي لدراسة واقع التعليم في امريكا واصدروا تقريراً عنوانه : الامة في خطر: أمر الزامي لاصلاح التعليم)؟ اعتقد ان القرار السياسي قادر على حسم الاجابة.

اما المسار الثاني ( وهو في صميم مناخات التقييم والتعيين) فيتعلق بإمكانية انتخاب رؤساء الجامعات من قبل عمداء كليات منتخبين، أيضا، من أعضاء التدريس في كلياتهم، ولم لا؟ فقد سبقنا الى ذلك العديد من الجامعات المحترمة في العالم، ولدينا نحن الآن فرصة تستند الى أكثر من اعتبار، بل وتجعل ذلك خياراً ممكناً وقابلاً للنقاش على الأقل.

الاعتبار الاول : المناخات الإصلاحية التي بدأناها في مجال «المنظومة السياسية» يمكن أن تشجعنا لتحديث «المنظومة التعليمية»، وخاصة في الجامعات الرسمية، ولتكن البداية من «انتخاب» الرئيس.

الاعتبار الثاني : حالة التراجع التي أصابت الجامعات، ليس على الصعيد الإداري والمالي فقط، وإنما الأكاديمي والبحثي وعلاقاتها مع المجتمع، وهي حالة تدعو الى التحديث فعلاً (لكي لا نقول التغيير).

أما الاعتبار الثالث فهو المكانة الرمزية والواقعية التي من المفترض أن تتمتع بها الجامعات، كمؤسسات «قائدة» للمجتمع تستوجب أن تفتح أبوابها على «الديمقراطية» لتقدم نموذجاً ملهما لغيرها من المؤسسات، وأبسط معايير «الدمقرطة» أن يكون رؤساؤها منتخبين، تماما كما هي مجالس الطلبة فيها منتخبة.

يبقى اعتبار رابع على الهامش وهو أن هذه «الوصفة» كفيلة بإخراجنا من صراع «التعيين» ومراجعات التقييم، ودوخات التبرير، والعتب والغضب أيضا.كما انها ستحرر جامعاتنا من ازماتها واختلالاتها، وتعيدها لسكة السلامة والنزاهة والعدالة، اما اذا تعذر ذلك الآن، فليس أقل من اختيار رؤساء يستحقون ان يجلسوا في مواقعهم لكفاءاتهم وخبرتهم، وحسن اداراتهم، لا أاي اعتبار آخر،

هل وصلت الرسالة ؟ اخشى ان تصدمنا الايام القليلة القادمة بإجابات اخرى مختلفة، وربما من داخل الصندوق ايضا !






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق