الأردنيون والسياسة وماضيهم

د. مهند مبيضين

في الأردن بنية تقليدية مجتمعية، تكونت في مساحة جغرافية لم تعرف الحواضر الدهرية المستمرة في السكان، ولم تعرف حكمًا مركزيًّا يغطي مساحة الجغرافيا الأردنية الحاليّة، إلا في زمن الانباط، وانقطعت هذه السيادة، حتى تأسست إمارة شرق الأردن بحدود الدولة المعاصرة اليوم في حكم الهاشميين. لا يعني هذا الرأي قطعًا غياب تأثير الجغرافيا والناس في زمن دولة الأمة والخلافة، بل كان هناك ومضات مشرقة ومؤثرة، ولا يعني ذلك أن البلاد الأردنية كانت خالية من مفردات الاجتماع الإنساني وانماط الاستقرار والانتاج.

نعني هنا العلاقات على مستوى الجماعة او المجتمع المحلي أو على صعيد المجتمع القومي وتشكل الجماعة الأردنية المنصاعة للقانون لم يحدث إلا في ظلّ الدولة المركزية، وفوق كل هذا هناك فعل الاتصال الحضاري مع العالم الذي اسهم بتغيير البنية الاجتماعية، هذا الاتصال الذي حدد شكل النماء والوجود الإنساني، وقد حدث الاتصال في الأردن مع العالم بفضل العلم والمعرفة، وهو أمر تحقق منذ قيام الإمارة (كان هناك تعليم محدود في الحقبة العثمانية) وتحققت ثورة المعرفة والاتصال الحضاري، في الخمسينات من القرن العشرين في زمن الراحل المغفور له جلالة الملك حسين، وباتت أكثر تفاعلًا في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، وهذا ما سمح لوجوه وقيادات من أبناء الفلاحين والبدو والعسكر ارتياد الافاق وتحقيق الدور والتماس الـتأثير والحضور الفاعل في بناء الدولة ومؤسساتها.

وهنا، كان الفضل للدولة ونظام الحكم، اللذين أخذا على عاتقهما تحديث المجتمع، مما سمح لأبناء الناس العاديين احداث انزياح في النخبة من شكلها القديم الجهوي ومن صفوف أبناء الاعيان والشيوخ المورثين من الماضي لصالح أبناء العسكر والفلاحين والحرفيين والمعلمين والموظفين، ومن هناك وفي ظلّ غياب أحزاب وسياسة يشارك بها الناس بفعالية تجمعهم على أساس مصلحي، كانت الممارسة للسياسة عبر ديناميات الدولة والمساحة التي تخلقها للناس وبفعل الروح العامة لأخلاقيات الجماعة، وهو أمر بالغ الأهمية، ويكرس المفهوم الهيغلي ( نسبة إلى الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل الذي يُعرّف الدولة بأنها لا تستحقُّ أنْ تسمى دولة بالمعنى الحرفي. إنَّها مجتمع، مجموعة إنسانيّة، كيانٌ غير مكتمل، وليس دولة عقلية…) ويشرحها بأنها هي الوجود بالفعل للفكرة الأخلاقية، فهي الروح الأخلاقية والإرادة الجوهرية التي تتجلى وتظهر وتعرف وتفكر في ذاتها. وهي تمثل روح الجماعة.

وتطور السياسة في كل المجتمعات، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتطور المجتمع ماديًا، وبالتالي بتطور علاقات الإنتاج، أي أنّ التحول في الممارسة السياسية مرتبط بالحياة المادية للمجتمع وليس للمجتمع نفسه، وبالتالي فإن الأهداف التي يحاول المجتمع تحقيقها أو الوصول إليها، هي التي يـتألف منها البرنامج السياسي لأي حزب أو جماعة ضاغطة، والتي يسعى أو تسعى لتطبيقها على واقع الحياة الاجتماعية داخل المجتمع، ومن المعروف انّ أيّ اتجاه او حزب يسعى إلى هيمنة أو فرض ونشر أفكاره في المجتمع، عن طريق الصفوة الحاكمة او المؤثرة فيه، وعمل الصفوة معتمد على منطق الحجج والألة التي من خلالها يتمّ اقناع الجمهور بالأفكار او البرنامج الذي يدعو أو تدعو إليه.

مشكلة الأردنيين مع السياسة، جزء كبير منها متعلق بموروث الماضي الذي يجب أن نغادره، وبالسلبية العالية في المجتمع، وهذا امر لا يمكن حله إلّا ببرنامج تفاعل سياسي مجتمع واجندة واضحة، وهذا يحتاج لصبر وعمل مكثف.

الغد






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق