‏يا خسارة.. بلدهم أولى بهم

حسين الرواشدة

‏في كل مرة، وما أكثرها المرات، أقرأ خبراً عن إنجاز أردني مغترب ينتابني إحساس بالبهجة والاعتزاز، لكن سرعان ما يتبدد هذا الإحساس، ويتحول إلى مرارة وأسى، أقول في نفسي : ألسنا أولى بأبنائنا المبدعين، الا يحتاج إليهم بلدهم، كيف يمكن أن ننهض دون هذه الأدمغة والكفاءات الأردنية التي تشكل «رأسمالنا الوطني»؟
أعرف أن الأسئلة تتردد داخل كل أردني وجد أبناءه يهربون للخارج طلبا للهجرة، بعد أن ضاقت بهم فرص العمل، أعرف، أيضا، أن وجودهم هناك للحصول على العلم والخبرة ضروري، لكن أليس من حقهم علينا، وحقنا عليهم، أن يعودوا إلى بلادهم، ويصبّوا فيها ما اكتسبوه من علم وخبرات؟
‏لدي قائمة طويلة بأسماء مبدعين اردنيين، يعملون بأرقى الجامعات في العالم، وآخرين يعملون بأهم المؤسسات والشركات، يتوزعون على كافة التخصصات العلمية وأحدثها، لدي، أيضا، قصص مدهشة عن إنجازاتهم التي حظيت بالتكريم والاحتفاء في المحافل العالمية، يا ليت أنني استطيع أن اضع اسماءهم هنا لأنهم شرفونا فعلا، كثير من هؤلاء نتداول اسماءهم بالأخبار مرة أو مرتين بالسنة، لكنهم سرعان ما يختفون من ذاكرتنا للأسف، لم اسمع أن جهة رسمية، او اهلية، اتصلت بهم أو كرمتهم، لم اسمع، أيضا، أن مسؤولا طلب منهم استشارة، او ابرم معهم موعد لقاء، او اتفاقا للاستفادة من خبراتهم، سوءا حين يزورون البلد، أو بواسطة» سكايب « عن بعد.
‏سأضرب مثلا واحدا؛ أحد رجال الأعمال الأردنيين (زياد المناصير ) وقّع، مؤخرا، اتفاقية مع الصين لإقامة مصنع للسيارات الكهربائية، أعرف أربعة من الشباب المبدعين الأردنيين يعملون بإحدى شركات صناعة السيارات في بريطانيا، ثلاثة منهم يقودون فريقا مكونا من اكثر من 50 مهندسا، من أنحاء العالم، وهم بصدد إجراء التجارب الاخيرة على أحدث السيارات الكهربائية التي تعمل بالهيدروجين، أكيد لا أحد في بلدنا سمع عنهم، او يعرفهم، واكيد أيضا أن أحدا لم يفكر بالاتصال معهم، سواء للاستفادة من خبراتهم، أو لاستدعائهم للعمل في هذا المشروع (يا خسارة).
‏لا يوجد لدينا، للأسف، قاعدة بيانات وطنية لهؤلاء الأردنيين الذين تميزوا في أعمالهم وابحاثهم بكافة دول العالم ( وهم بالآلاف)، لا يوجد لدينا أي فكرة برنامج لتقديمهم لابنائنا كملهمين من خلال وسائل إعلامنا المشغولة بالطرب والطبيخ، لا يوجد لدينا سفارات تتابع هؤلاء وتتواصل معهم، وتشعرهم أن بلدهم ينتظر عودتهم، لا يوجد لدينا مشروع لمؤتمر سنوي لاستضافتهم، ومد جسور التعارف بينهم، لكن (بالتأكيد) يوجد لدينا (وبوفرة زائدة عن الحاجة ) أشياء أخرى، مثل اليأس والإهمال والتشكيك، وتبادل الخيبات واللطميات، والفساد، والصراع على امتيازات زائفة، ولدينا، ايضا ما يلزم من ادعية لانتظار الفرج من الغيب (يا خسارة).
‏إن أفضل طريق يمكن أن نحارب به الفشل الذي تغلغل في أوساطنا، وأفرز من شبابنا العجز وقلة الحيلة والهمة، وحوّلهم إلى مشاريع عطالة، ودفع ببعضهم للانتقام من أنفسهم ومجتمعهم، افضل طريق هو تقديم وتقدير هؤلاء المبدعين لإنعاش روح الأمل داخل مجتمعنا.
هؤلاء المبدعون يشرفوننا فعلا، ومن واجبنا أن نطالب بتكريمهم، وقبل ذلك أن نقف ونقول لهم : شكرا لكم، لأنكم أفرزتم منا، كأردنيين، أفضل ما فينا، نحن مدينون لكم بالتقدير، لأنكم الأقدر على كشف خيباتنا، وإلهام شبابنا، ومنحنا أفضل وصفة لمواجهة الفشل الذي اصبح يحاصرنا من كافة الاتجاهات، نحن دوما بحاجتكم، فتذكروا أن لكم وطنا ينتظر عودتكم، ويتطلع للاستثمار بأدمغتكم، والنهوض من خلالكم، ولو بعد حين.





هلا اخبار عبر اخبار جوجل
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق