العبور الفلسطيني

د.منذر الحوارات

مع ساعات الصباح الباكر فقدت إسرائيل على حين غرة هيبتها العسكرية، وكل ما روجت له خلال عقود احتلالها للأراضي الفلسطينية، وانهارت في لحظات كل مشاريعها الأمنية التي تبجحت بها وأرعبت دول المنطقة، باختصار لقد سقطت النظرية الأمنية الإسرائيلية والتي اعتمدت بالدرجة الأولى على استخدام القوة والقمع في سبيل حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة في إقامة وطنهم المستقل، كل ذلك انهاه العبور الفلسطيني المفاجئ وعلى كل الجبهات، لقد استطاعت حماس في وضح النهار وفي عين الشمس أن تنهي أسطورة الردع الإسرائيلية بكل ما تحتويه من منظومات صواريخ وطائرات وأجهزة استخباراتية وقوات أرضية، فحماس من خلال عمليتها المسماة طوفان الأقصى أغرقت كل تلك المنظومات بل وغطتها بوحل الهزيمة المدوية.
كل هذا يحدث في عهد أكثر حكومات الاحتلال تطرفاً والتي دعا أحد قادتها الى ابادة الفلسطينيين أو طردهم، كما ويحدث ذلك في ظل إصرار حكومة نتنياهو على القفز فوق القضية الفلسطينية والحل خارجها نحو المحيط العربي، وإذ بهم يقفزون فوق كل ذلك من البر والبحر والجو ويهزون صورة إسرائيل التي تحاول أن تقول للعرب إنها قوة عسكرية قادرة على حمايتهم، وإذ بها تفشل في حماية نفسها، فها هي هيبتها تتدحرج أمام قوة أقل منها بمئات المرات، وحتى ترمم هذا الإذلال تحتاج الى الكثير من الوقت وكذلك الضعف الفلسطيني، ربما يذهب بها الى القيام بعملية عسكرية برية تدخل فيها القطاع وتحاول إسقاط حماس كقوة عسكرية وسياسية، لكن دون ذلك لا يبدو أن الجبهة الداخلية المنقسمة جاهزة لتحمله لأن الكلفة البشرية لمثل هذا الاقتحام ستكون هائلة بالذات بعد أن أثبتت حماس من خلال هذه العملية العسكرية أنها تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية هائلة مما يجعل خسائر دولة الاحتلال غير قابلة للاستيعاب إسرائيلياً، بالذات بعد أن قامت حماس بعملية خداع استراتيجي لإسرائيل أوصلتها لحدود القناعة بأنها لن تقوم بأي عملية عسكرية، فكان عنصر المفاجأة حاسماً في تقرير نتائج هذا العبور وكذلك الخسائر الإسرائيلية التي فاقت كل التوقعات.
«طوفان الأقصى» وإن أكدت نجاح حماس إلا أنها في نفس الوقت أكدت الفشل السياسي لإسرائيل، فقد كان القادة الإسرائيليون يتبجحون باجتياح الأقصى وبناء المستوطنات والتباهي بقتل الفلسطينيين، وهذا الضغط ولد فعلاً مضاداً وصاعقاً عبر عنه بكل وضوح طوفان الأقصى الهادر، فكان بمثابة الصاعقة التي ضربت كل أركان دولة الاحتلال، حتى تسمية العملية بطوفان الأقصى تعبر عن حجم الغضب والذي يُدخل العملية في إطار الحرب المقدسة التي ستفيض على حماس وقوى المقاومة بالدعم من كل حدب وصوب بالذات من الجماهير العربية والإسلامية، أما إسرائيل فقد تلقت الدعم مبكراً من القوى المنافقة عالمياً والتي قررت دوماً أن تسقط معاناة الفلسطينيين وحصار إسرائيل وقتلها لهم وسلب ارضهم وتدمير بيوتهم من حساباتها، بينما تثور فجأة عندما يمس الأذى أي إسرائيلي، لذلك أعطت هذه الدول منذ البداية صكاً موقعاً لإسرائيل بالاقتصاص من دماء الفلسطينيين كما تشتهي حتى تشفي غليلها وترمم هيبتها المحطمة، والعالم الحر يتعهد بأنه سيغض الطرف ويغمض عينية وكاميرات التصوير عن هذا الحدث بكل ما فيه من جثث ودمار، أما نحن العرب فيقتصر دورنا حتى الآن على التحليل الممنهج على شاشات التلفاز عن الكيفية التي ستدمر بها إسرائيل قطاع غزة وتعيده كما قال نتنياهو الى العصر الحجري .
ستبذل دولة الاحتلال كل إمكاناتها من القوة لإسقاط حكومة حماس لأن هذا هو الفعل الوحيد القادر على ترميم هيبتها المهدورة وإشعارها بالنصر، وحتى لو نجحت في ذلك، فإنها لن تنجح في إسقاط حماس من ضمائر الفلسطينيين وكذلك لن تسقطها من معادلة الصراع، ولنفترض أنها غابت فسيولد مكانها ألف حماس، إذًا ليس أمام دولة الاحتلال سوى الإذعان للأمر الواقع والجلوس مع الفلسطينيين (كأنداد حقيقيين)، لقد أدى العبور المصري إلى معاهدة كامب ديفد، فهل سيؤدي العبور الفلسطيني إلى ما يشبه ذلك؟ على كل الأحوال لقد وضع عبور حماس ورقة على طاولة أي مفاوض عربي مع دولة الاحتلال إذا لم يستغلها فهو بريء من السياسة مثلما هي بريئة منه .





هلا اخبار عبر اخبار جوجل
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق