الدولة الفلسطينية في منطوق الوزير

ماهر أبو طير

يخرج وزير الخارجية الأميركي يوم الأربعاء الماضي في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، ليتحدث عن أهمية قيام دولة فلسطينية ويشير الوزير الأميركي إلى أن التحدي الآن هو مدى استعداد المجتمع الإسرائيلي للتعاون لتحقيق رؤية جديدة مع المنطقة وشعوبها.
يضيف الوزير بأنه لن يحصل تكامل دون الاعتراف بدولة فلسطينية، مع التأكيد على ضرورة تطوير سلطة فلسطينية قادرة على الاعتناء بشعبها، حيث لا يمكن تكرار ما حدث في 7 أكتوبر، في إشارة إلى عملية طوفان الأقصى التي قامت بها المقاومة الفلسطينية.
لتحليل مغزى هذه الإشارات لا بد أن يقال 5 أمور أولها أن كلام الإدارات عن دولة فلسطينية ليس جديدا، فهذا أمر روتيني سمعناه منذ اتفاقية أوسلو 1993 دون أن يتحول إلى واقع، وثانيها أن الإدارة الحالية في البيت الأبيض تقترب من الانتخابات ولا يوجد لديها وقت أصلا لتحويل إشارات الوزير إلى واقع، وثالثها أن الإدارة الأميركية لا تتحدث عن دولة فلسطينية وفقا لقرارات الأمم المتحدة أو حدود 1967، بل بشكل عام بما يجعل جغرافيتها مبنية للمجهول، ورابعها أن الإشارات الأميركية تريد تحسين سمعة الولايات المتحدة في المنطقة وبين شعوبها، وتخفيف كلفة اتهامها بكونها الممول الأساس لإسرائيل على صعيد المال والسلاح أيضا، وخامسها أن واشنطن تتجنب الحديث عن مدينة القدس والحرم القدسي، وحق العودة أيضا.
هذا يعني أن إشارات الوزير غير قابلة للصرف أو الإعراب، وكان لافتا أنه بعد أيام قليلة من تصريحاته تسربت تقارير معلوماتية تشير إلى أن هناك تصورا لدى الإدارة الأميركية حول اليوم التالي للحرب، وأن واشنطن تعد لصفقة إقليمية كبرى في المنطقة، من أبرز ملامحها التهيئة لقيام دولة فلسطينية بشكل ما لم يتم تحديدها من خلال إجراء تغييرات وإصلاحات على سلطة رام الله، كما أن الصفقة تشمل وقف إطلاق النار في غزة، وتطبيع العلاقات الكاملة بين إسرائيل والعالم العربي، وإطلاق سراح الأسرى، وإرساء نظام سياسي جديد في غزة.
هذه استحالات لأن إسرائيل ذاتها ترفض أولا إقامة أي دولة فلسطينية، سواء الدولة التي كانت منتظرة وفقا لحدود 1967، أو ضمن أي تصور جديد، بما في ذلك دولة مصغرة ضمن مساحات الضفة الغربية المتبقية حاليا، والتي يعيش بها الفلسطينيون، خصوصا، أن إسرائيل تريد استمرار فصل قطاع غزة عن الضفة، ولا تريد إعادة شبر واحد من القدس، ولا غور الأردن، وهي أيضا صادرت معظم أراضي الضفة الغربية، وحشرت الفلسطينيين في تجمعاتهم السكنية، وتحكمت بالسلطة اقتصاديا وأمنيا في سياق “إذلال وظيفي” على مستويات مختلفة.
الأميركيون يتحدثون عن دولة فلسطينية لغايات الدعاية السياسية، فأين هي حدود الدولة الفلسطينية، وما هي مساحتها، ووفقا لأي مرجعيات، وكيف يمكن تصغير مساحات الدولة أو استبدال أراضيها، وأين هي القدس، وأين حق العودة، ثم ما هو مصير المستوطنات، والأراضي التي تمت مصادرتها، وما هي الضمانات أن يتم مد حدود الدولة المنتظرة على قطاع غزة، الذي تتورط فيه إسرائيل منذ 4 أشهر، ولا تستطيع حسم الحرب، فتصب حقدها على الأبرياء.
تصريحات الوزير الأميركي كانت الأربعاء فيما خرج نتنياهو الخميس ليعلن رفضه لقيام دولة فلسطينية، متطابقا في ذلك مع تصريحاته السابقة، وتصريحات فريقه حول دفن أوسلو، واستحالة قيام أي دولة، بأي نمط، بما يجعلنا نسأل صراحة عن الذي تخطط له إسرائيل خلال الفترة المقبلة بعيدا عن هذه الصياغات الدبلوماسية التي تبيع الوهم على أهل المنطقة.
الخلاصة تقول إننا نعبر توقيتا خطيرا على صعيد فلسطين، إضافة إلى الملفات الجيوسياسية التي تخص المنطقة وكل دولها، ومن الواضح أن كل الملفات تفلت تدريجيا من سيطرة واشنطن برغم نفوذها، بما يأخذنا إلى احتمالات ثانية خلال 2024، غير الذي يقال لنا في الإعلام.
وأترك الخيال السياسي لكم أيها السيدات والسادة حول الاحتمالات الثانية في 2024.





هلا اخبار عبر اخبار جوجل
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق