الإثنين, 21 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية

تحولات حزبية وأسئلة الفعالية البرلمانية في الأردن

هلا أخبار – مع اقتراب نهاية الدورة العادية الثانية لمجلس النواب العشرين، تتزايد النقاشات السياسية والإعلامية في الأردن حول واقع العمل الحزبي والبرلماني، في ظل مسار التحديث السياسي الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه. 

وتكشف هذه النقاشات عن مفارقة واضحة بين كثافة الحضور السياسي والخطابي داخل البرلمان، وبين محدودية تأثيره الفعلي في صياغة التشريعات والسياسات العامة.

وفي هذا السياق، تتقاطع تحليلات كتاب الصحف مع تقارير رقابية صادرة عن مؤسسات متخصصة، لتقدم صورة مركبة عن مرحلة انتقالية في الحياة السياسية الأردنية، يتداخل فيها مسارا إصلاح العمل الحزبي وإصلاح الأداء البرلماني.

 

تحولات حزبية في سياق التحديث السياسي

 

شهدت الأسابيع الأخيرة تحولات تنظيمية داخل بعض الأحزاب، في خطوة تعكس محاولة التكيف مع البيئة السياسية الجديدة ومتطلبات قانون الأحزاب. ومن أبرز هذه التحولات إعلان تغيير اسم الحزب الوطني الإسلامي إلى حزب الإصلاح، وكذلك تغيير اسم حزب جبهة العمل الإسلامي إلى حزب الأمة، في إطار مواءمة الأطر التنظيمية مع متطلبات المرحلة، وفق ما نشرته الهيئة المستقلة للانتخاب.

هذه التحولات التنظيمية أثارت نقاشا أوسع حول مستقبل الأحزاب ودورها في النظام السياسي، خصوصا في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الحزبي في الأردن خلال السنوات الأخيرة.

في هذا السياق، تناول الكاتب والباحث محمد أبو رمان في مقال نشرته صحيفة الدستور هذه التحولات، معتبرا أنها قد تمثل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الأحزاب الإسلامية والدولة والمجتمع. ويشير أبو رمان إلى أن التغيير التنظيمي وحده لا يكفي، مؤكدا أن “الأهمّ أن تتوازى هذه التغييرات الهيكلية والشكلية-القانونية مع تغيير في منهجية التفكير السياسي”.

كما يذكّر أبو رمان بأن العلاقة بين الدولة والإسلاميين في الأردن شكّلت تاريخيا “نموذجا خاصا في المنطقة”، من حيث قدرة الدولة على إدماجهم في مؤسسات التمثيل السياسي، غير أن هذه العلاقة شهدت تحولات معقدة خلال العقد الأخير نتيجة الانقسامات الداخلية والتغيرات الإقليمية.

 

الأداء الحزبي داخل البرلمان

 

في المقابل، يركز النقاش الإعلامي على مدى قدرة الأحزاب على ترجمة حضورها التنظيمي إلى تأثير سياسي داخل البرلمان. وفي هذا الإطار، يرى الكاتب جهاد المنسي في مقال تحليلي نشرته صحيفة الغد أن التجربة الحزبية داخل مجلس النواب لم تحقق بعد المستوى المأمول من الفاعلية السياسية.

ويكتب المنسي أن المشهد النيابي في ختام الدورة الحالية “يكشف في عمقه عن خلل واضح في معادلة التمثيل السياسي، عنوانه الأبرز: حضور حزبي محدود التأثير”. كما يشير إلى أن الأداء النيابي جاء في كثير من الأحيان أقرب إلى الفردية حتى داخل الأطر الحزبية نفسها، ما أضعف فكرة العمل الجماعي التي يفترض أن تشكل أساس العمل الحزبي.

ويربط المنسي هذا الواقع بجملة من العوامل، أبرزها ضعف الامتداد الشعبي للأحزاب في المحافظات، وغياب خطاب سياسي مستمر قادر على التفاعل مع القضايا المحلية، مؤكدا أن التعددية الحزبية لا تُقاس بعدد الأحزاب بقدر ما تُقاس بقدرتها على الفعل والتأثير.

 

الأرقام تكشف فجوة في الفاعلية التشريعية

 

تعزز البيانات الرقابية هذا النقاش. فقد كشف تقرير صادر عن مركز الحياة – راصد حول مناقشات مجلس النواب لمشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026 عن فجوة واضحة بين كثافة النقاش النيابي وحجمه الفعلي في التأثير على التشريع.

وبحسب التقرير، ناقش المجلس مشروع القانون خلال أربعة أيام عمل متتالية، بإجمالي زمن بلغ 12 ساعة و42 دقيقة، شهدت خلالها الجلسات 269 مداخلة نيابية قدمها 86 نائبا.

ورغم هذه الكثافة في المشاركة، أظهر التحليل أن الأثر التشريعي كان محدودا للغاية؛ إذ طُرح خلال النقاش 271 مقترحا نيابيا، لم ينجح منها سوى مقترح واحد فقط في الوصول إلى الإقرار، بنسبة لا تتجاوز 0.5%.

كما أظهر التقرير أن 97.4% من المداخلات جاءت بطابع كمي أو تكراري، مقابل 2.6% فقط مداخلات نوعية أو مفصلية، ما يعكس أن غالبية النقاشات لم تتحول إلى تحليل تشريعي معمق أو مقترحات قابلة للتطبيق.

وكشف التحليل أيضا عن عدم توازن في توزيع زمن النقاش، إذ استحوذت المادتان الأولى والثانية وحدهما على نحو 46% من إجمالي زمن المناقشات، فيما تم إقرار 27 مادة من القانون خلال يومي العمل الأخيرين بوتيرة متسارعة، نتيجة ضغط الوقت في المراحل النهائية من النقاش.

 

تقييم جودة النقاش التشريعي

 

في تقييم عام لجودة النقاش تحت القبة، منح التقرير العملية التشريعية درجة 5.2 من 10، ضمن مستوى “متوسط إلى ضعيف”، وفق مؤشرات تقييم تستند إلى معايير دولية مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد البرلماني الدولي.

وبحسب التقييم التفصيلي، بلغ مؤشر الارتباط بالنص القانوني 5 من 10، فيما سجل مؤشر الاستناد إلى الأدلة 4 من 10، بينما جاء مؤشر الاتساق القانوني أفضل نسبيا بمعدل يتراوح بين 7 و8 من 10. أما مؤشر التأثير الفعلي على النص فقد سجل درجة متدنية جدا بلغت 1 من 10.

وأشار التقرير إلى أن أحد الأسباب الرئيسة لهذا الضعف يتمثل في طغيان الخطاب السياسي العام على النقاشات التشريعية، حيث تحولت بعض المداخلات إلى منصة للحديث عن قضايا سياسية أو إقليمية أو محلية خارج نطاق القانون محل النقاش.

 

دعوة لإصلاح آليات العمل البرلماني

 

في ضوء هذه النتائج، دعا التقرير إلى مراجعة آليات إدارة النقاشات التشريعية داخل مجلس النواب، بما يعزز الطابع الفني والقانوني للنقاش ويحد من تأثير الخطاب السياسي التعبوي على العملية التشريعية.

كما شدد على أهمية تمكين الكتل النيابية من أداء دور أكثر تنظيما وفاعلية، عبر تنسيق مواقفها وبناء توافقات مسبقة حول المقترحات قبل مناقشة القوانين، بما يعزز فرص تأثيرها على النصوص النهائية.

مرحلة اختبار للتجربة الحزبية والبرلمانية

 

في المحصلة، تعكس هذه المؤشرات مرحلة تقييم مهمة للتجربة السياسية في الأردن. فبين التحولات التنظيمية التي تشهدها بعض الأحزاب، والنقاشات المتزايدة حول جودة الأداء التشريعي، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد في وجود الأحزاب أو كثافة النقاش تحت القبة، بل في قدرة هذه المؤسسات على تحويل حضورها السياسي إلى أثر تشريعي فعلي ينعكس على السياسات العامة وجودة التشريع في المرحلة المقبلة، وهو ما ينسجم مع ما أشار إليه الكاتب جهاد المنسي حول “محدودية التأثير الحزبي داخل البرلمان”.

×