هلا أخبار – خسر العشرات من نحالي جنوب لبنان حياتهم في الحرب الأخيرة. وأصابت الحرب قطاع الزراعة ومشتقاته في الصميم، وهو يشكل مصدراً أساساً لعيش معظم سكان الجنوب، ممن يرتبطون بأرضهم لأجل الاستثمار فيها ومن زرعها وثمرها وحيواناتها وأحراجها، وأتى الاحتلال الإسرائيلي المباشر لأكثر من 50 قرية وبلدة ومدينة، فضلاً عن تدمير منهجي لعمارتها ومؤسساتها الرسمية والتربوية والإنتاجية، والذي بلغ نحو 100 في المئة بعد تهجير جميع سكانها، ليحرم أكثر من 100 ألف مواطن من السكن والإنتاج والارتزاق، ويدمر منظومة زراعية نشأت عليها هذه المنطقة منذ عقود طويلة وتطورت بما يتلاءم مع مسلك عيش الناس وانسجام حياتهم وإنتاجهم.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، أطلقت تقييماً للأضرار والخسائر ضمن إطار تأثير حالات الطوارئ والأزمات على المزارعين، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. ويكشف التقييم عن أن “القطاع الزراعي في لبنان تكبد أضراراً كبيرة تقدر بنحو 118 مليون دولار أميركي، في حين تقدر الخسائر بنحو 586 مليون دولار”.
وتتركز المناطق الأكثر تضرراً في جنوب لبنان وسهل البقاع حيث تأثرت مختلف القطاعات الزراعية، بما في ذلك المحاصيل، والثروة الحيوانية، والغابات، ومصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية. وبحسب منظمة “الفاو”، “تبلغ حاجات القطاع الزراعي نحو 263 مليون دولار أميركي لإعادة الإعمار والتعافي، منها 95 مليون دولار حددت كأولوية للفترة 2025- 2026”.
نكبة قطاع النحل
من الخسائر الزراعية الجسيمة التي مُني بها سكان الجنوب ومزارعوه، قطاع النحل الذي كان يشكل مصدر عيش آلاف العائلات التي سعت إلى حماية هذا القطاع وطورته على مدى خمسة عقود وأكثر كي يسهم في إنتاج عسل طبيعي مميز، بعدما شكلت طبيعة الجنوب موئلاً بيئياً ناجعاً لتربية النحل بسبب غناها بالأشجار البرية والمثمرة وانتشار الزراعات الموسمية والدائمة فيها، التي تجذب النحل، لا سيما في مواسم الربيع وإزهار الشجر والنبات ليتجاوز عدد الخلايا المنتجة في مختلف أقضية الجنوب 100 ألف خلية.
وقطاع النحل الذي فقد بسبب هذه الحرب، وبخاصة بين حربي 2024 و2026، 84 نحالاً منتجاً سقطوا خلال القصف والغارات أو الاستهداف الإسرائيلي المباشر، وقد قتل عديد منهم في حقولهم بينما كانوا يهتمون بمناحلهم ويسعون إلى إنقاذها من شر الحرب، خسر أيضاً نحو 80 في المئة من هذه الثروة في المنطقة الجنوبية الحدودية التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي “المنطقة الصفراء”، ونحو 50 في المئة على مستوى أقضية الجنوب التي تأثرت في هذه الحروب بعدما تسببت في انسداد المدى الطبيعي أمام نقل النحل بين الجبل والساحل والوسط مما أدى إلى تراجع إنتاج العسل بالنسبة عينها، وربما أكثر.
وانعكست هذه الخسارة على السوق المحلية الجنوبية، وكذلك على السوق الوطنية، إذ ترفد مناحل الجنوب هذه السوق بنحو 30 في المئة من الإنتاج الوطني، ودفعت باتجاه ارتفاع سعر كيلوغرام العسل الجيد بين 35 و40 في المئة. وارتفع سعر كيلو العسل بشهده على سبيل المثال من 17 دولاراً إلى نحو 30 دولاراً، بسبب تراجع الإنتاج بفعل الحرب.
لا إحصائية نهائية لخسائر قطاع النحل في جنوب لبنان، لكنها تتفاوت بين منطقة وأخرى، أو قضاء وآخر، وتتركز أكثر الخسائر في قضاء بنت جبيل الذي أتت الحرب على جميع مناحله وبالكامل، وقسم من قضاء صور يمتد من حدود قضاء بنت جبيل في القطاع الوسط إلى ساحل الناقورة في القطاع الغربي، وكذلك في قضاء النبطية شمال نهر الليطاني، وبخاصة في يحمر الشقيف وأرنون وكفرتبنيت وزوطر الشرقية وزوطر الغربية والنبطية الفوقا التي أضحت تحت الاحتلال المباشر أو غير المباشر.
ناهيك بتأثير الحرب الأخيرة الشاملة التي بدأت في الثاني من مارس (آذار) الماضي وتوقفت بشكل هش بعد إعلان وقف إطلاق النار في الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي، أي إن الحرب استمرت نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر، وكانت كفيلة بتدمير قسم كبير من المناحل أو القضاء عليها بإهمالها وعدم خدمتها وحمايتها من أمراض طبيعية وغزو الحشرات القاتلة على نحو عنكبوت الفأر (الذي يتغذى على الحشرات والعقارب والنحل والحيوانات الصغيرة مثل السحالي والضفادع) والدبور (الزنبور).
لا إحصاءات أو تعويضات
يبدي معظم مزارعي الجنوب، وبخاصة مربو النحل، أسفهم لعدم قيام وزارة الزراعة بإحصاء دقيق لخسائر قطاع النحل أو التعويض على نحاليه، أو مساعدتهم في تأمين خلايا بديلة لقاء ما خسروه. وكان رئيس نقابة مربي النحل في الجنوب عبدالكريم قعفراني قد صرح بأن قطاع النحل خسر بنتيجة الحروب الأخيرة أكثر من 30 ألف قفير، منها نحو 20 ألفاً جنوب نهر الليطاني، ونحو 10 آلاف شمال الليطاني”. وقال “إن الإنتاج السنوي كان يقارب قرابة 200 طن من العسل، أما اليوم فانخفض إلى النصف، وبات نحو 100 طن”.
ويؤكد النحال محمد حسن حيدر (عضو الهيئة الإدارية في جمعية مزارعي الجنوب) أن “الدولة لم تعوض علينا ولا مؤسسة ‘جهاد البناء‘(التابعة لحزب الله) لم يبق لنا غير الله هو الذي يعوض. المنطقة الحدودية خسرت 80 في المئة من نحلها، والنحالون خسروا أرواحهم وفقدوا مصدر رزقهم، الذ يكاد يكون الوحيد للمئات منهم. نحاول أن نستعيد ما خسرناه، أو أن نبدأ من جديد، لكن إسرائيل لم تتركنا، وثمة كثر من مربي النحل في البلدات غير المحتلة يجهدون لاسترجاع ولو قليل من هذه المناحل والقفران، فكيف بهم والقصف والتدمير يستمران ويبعدان عنهم كيلومترات قليلة في مناطق صور والنبطية وغيرها؟”.
ويشير حيدر إلى أن “الخسارة لم تأت من القصف وحده، فنزوح معظم سكان الجنوب إبان الحرب، ومنهم مربو النحل، تسبب هو الآخر في إهمال الخلايا وتضررها، ويوم نزحنا كان موسم قطف العسل في أوانه، وتركه يؤدي إلى خراب الخلية. كان لديَّ 542 قفير نحل قبل الحرب، بقي منها نحو 50 في بلدة القليلة القريبة من الناقورة جنوب مدينة صور، بلغ التدمير عندي نحو 90 في المئة من القفران والخلايا، تضاف إليها سبعة دونمات من الحامض الأميركي وأشجار الفالانسيا، الذي يعرف بالبرتقال الصيفي”.
الحرب قتلت 84 نحالاً
يؤكد النقابي حسن أن “قطاع النحل خسر بين حربي 2024 و2026، عدداً من مربي النحل الماهرين بلغ 84 نحالاً، إذ طاولهم الاستهداف الإسرائيلي في مختلف قرى الجنوب، وبينها عيترون ومجدل زون وبنت جبيل والناقورة وزبقين ودير الزهراني وشحور والصرفند بين أقضية النبطية وصور وصيدا”.
ويروي أن “أحد النحالين القدامى، وهو ليس مقاتلاً، لاحقته مسيرة إسرائيلية من بلدة بيت ليف حتى صربين (في قضاء بنت جبيل). وبعد نجاته من الصاروخ الأول، عاد لاحقاً لاستكمال طريقه، قبل أن يستهدف مجدداً في محلة عين الجرب (تقع هذه المحلة في النطاق القريب من بلدة السلطانية قرب تبنين، وهي منطقة ريفية زراعية ترتفع نحو 600 إلى 650 متراً عن سطح البحر)، حيث سقط ضحية، تاركاً وراءه نحو 280 خلية نحل، فتشتتت منحلته ونفق نحله وأبناؤه تركوا المنطقة والقفران بقيت في بيت ليف التي غدت تحت سيطرة الإسرائيلي”.
وأضاف حسن “طالبنا وزير الزراعة أن يضع خطة إنقاذية أو عاجلة لعائلات مربي النحل ممن قتلوا في الحرب أو خسروا مناحلهم وفقدوا باب رزقهم أو ممن خسروا مواسمهم، وهذه الأخيرة أصابت معظم النحالين من مختلف الطوائف ممن نقلوا مناحلهم في الموسم الشتوي من حاصبيا ومرجعيون والشوف إلى الساحل بين صيدا وصور، وأتت الحرب فاضطروا إلى إخراجها من المنطقة بمساعدة الجيش اللبناني ولجنة ‘الميكانيزم‘. هذه العملية أفقدتهم مواسمهم مثلما أفقدتنا الحرب والنزوح مواسمنا ودمرت بيوتنا ومصدر رزقنا”.
اندبندنت عربية
