نحـتفـل بالصـورة أم بالإنجاز..؟!

حسين الرواشدة

أين نحتفل بمناسبة مرور المئوية على تأسيس الدولة : على الشاشات فقط ام في الميدان ؟ ثم كيف نحتفل : بالحديث الطويل عن الانجازات ام بمزيد من العمل والإنتاج والانجاز، ومن يحتفل : السياسي الذي بيده تحريك عجلة السياسة والاقتصاد..والزمن ايضا، ام الجمهور الذي ينتظر وعود الفرج وأمل الانفراج..؟
نحتاج بالفعل الى مصارحة أنفسنا بعد هذه المائة التي نعتز أننا أسسنا فيها دولتنا بمثل هذه الأسئلة التي تطرح معنى الاحتفال ومعنى الاعتزاز ومعنى ما يجب ان يكون لا مجرد ما كان وحصل، ففي هذا الزمن الذي تحاصرنا فيه ثورة الاتصالات بعالمها الافتراضي الذي أصبح بديلا عن العالم الواقعي لا بد نكشف عن عيوننا غشاوة الصورة لنرى أنفسنا في مرآة الواقع، كما هي، بلا رتوش ولا «مكياج».
في مجتمع «الفرجة» هذا الذي يقدم السمع والبصر على العقل، يتصور البعض ان الناس تتلقى الصور فتصدمها وتدفعها الى قبول الوقائع وكأنها حقائق لا تحتاج الى اي نقاش، ويتصورون ايضا ان اسئلة الجمهور الذي يجلس على مقاعد المتفرجين ستنصب حول هذه الصور فقط، وهي فرصة – بالطبع – لطرد اسئلة اخرى من اذهانهم اهمها : اين نحن الان، وماذا نريد، وفي اي اتجاه نسير..؟
ما لم تستطع ان تجيب عنه السياسة او تفعله، تنهض به الصحافة ووسائل الاعلام بأنواعها المختلفة.. وما نعجز عن تنفيذه نكثر من الحديث عنه، ونقتله بالكلام والصور، وهذه – بالطبع – سمة كثير من المجتمعات التي تعودت على الهروب من العمل الى الكسل، ومن الواقع الى المجهول، ومن محاسبة الذات الى ابتداع الذرائع وتعليقها على الآخرين، ومن الانجاز الى تمجيد ما يمكن ان ينجز، ومن مناقشة السياسات الى ملاحقة اخبار الساسة.
لا يهم من تغول على الاخر : الاعلام ام السياسة؟ الصورة ام الحقيقة والاصل، المهم ان الفراغ الذي تركه غياب الفعل السياسي المؤثر وجد من يملؤه، لا تسأل – بالطبع – كيف؟ فقد تابعنا على امتداد الايام الماضية فصولا مدهشة من التصريحات والنقاشات التي تتحدث عن كل شيء، ولا نفهم منها اي شيء، وفصولا اخرى من التحليلات والتنبؤات التي تفوق اصحابها على قراء الكف والفنجان، وكاد بعضنا ان يتحول – فعلا – الى كتابة الابراج السياسية او مطالعة ما ينشر في صفحات حظك اليوم – ولكن بنكهة سياسية هذه المرّة، اما مجتمعنا فقد تحول الى مجرد (اسنفجة) تمتص كل شيء، لكنه لم يعد قادرا على الامتصاص، اتعبه الكلام الطويل عن الفرج الذي سيأتي، وعن الخطر الداهم،وخذلته النخب التي استنزفته بشعاراتها المغشوشة،فلم يعد يثق بها ولا بالسياسة.
على فكرة، التحولات التي اجتاحت عالمنا العربي منذ عشر سنوات – وما تزال – لم تُسقط فقط « وهم» الصور الي انشغل المخرجون بالترويج لها لاشغال المشاهدين بما يريدون، ولا شرعية الحكومات التي استهترت بالناس، ولا الضمائر التي ماتت على كراسي المسؤولية، وانما اسقطت قبل ذلك «اوهام» الثقافة الفاسدة ومنابر الوعي المغشوش، وضمائر المثقفين الذين خدعوا جماهيرهم وأضلوهم، اسقطت انتهازية اصحاب الصوت العالي ومدبجي البيانات الرنانة، و»اكاذيب» النخب التي تقود الجماهير الى الحرية، وسطوة الاعلام «الطبل» الذي لا يجيد الا التصفيق.

الدستور 

زر الذهاب إلى الأعلى