من أوراق المئوية الأولى: الملك المؤسس وحادثة البراق 1930

محمد يونس العبادي

إثر حادثة البراق عام 1930م، ومع بدايات تعدي اليهود على الأوقاف والمقدسات في فلسطين، وجه الملك المؤسس عبداالله الاول ابن الحسين (طيب االله ثراه) رسالة إلى المندوب السامي في فلسطين، وهو آنذاك قائم بأعمال السلطة.

هذه الرسالة تكشف عن توجهات الملك المؤسس، وسعيه إلى صون المقدسات وحمايتها من أي مس وعبث، من قبل الصهيونية الناشئة آنذاك.

ومما جاء فيها، قول الملك المؤسس للمندوب السامي: «إنني أقرب الأمراء جواراً لمسجد بيت المقدس»، كما ذكره بصلة المسيحية بالمسجد الأقصى، والشريعة السمحاء، وعلو مكانته لدى المسلمين.

الملك المؤسس، استحضر في رسالته موقف الخليفة عمر بن الخطاب، «وأنه أبى أن يؤدي الصلاة في غير ذلك الموضع عندما دعاه إليها القوم وحان أوانها، مخافة أن يخرج ذلك الموضوع من يدهم إلى يد المسلمين لمجرد الصلاة فيه».

وذكر المندوب البريطاني بأن حكم الشريعة الإسلامية غير مستتر، بقوله «إنّ كل مسجد الله وكذلك كل ما يتعلق بالمسجد من حيّز وممتلكات وسائر ما ينسب إليه فهو مجموعة قدسية لا تتفرق في ذلك ولا تتجزأ بصورة من الصور».

وهذه الرسالة تعبر عن رفض خطاب ملوك بني هاشم لأي مس بطبيعته الإسلامية، بقوله: «المسجد الأقصى له صبغته الإسلامية المحضة ساحة وسوراً وجداراً ولبنة وإنه أولى القبلتين وثالث المسجدين إليه كان الإسراء ومنه كان المعراج».

وتشرح هذه الرسالة موقف الخليفة الثاني، وأنه عزّز الحق الديني الصريح للكنائس كافة في عهده المدون أنها «لا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها».

وتاكيدها بأن الخليفة الثاني صرّح في ذلك العهد عن القوم في فلسطين بأنه «لا يسكن بإيلياء أحد معهم ويقصد بذلك طلب المسيحيين أن لا يسكن معهم اليهود».. وفي هذا التصريح نفي للزيارة المدعى بها.

الملك المؤسس استند في هذه الرسالة أيضا، على ما كان يسوقه الانتداب من حجج بقوله «في عهدكم البريطاني جاء في الكتاب الأبيض الإنجليزي بأنّ الممر المتصل بالمسجد وقف إسلامي لا مناقشة فيه. وأمرت برفع ما وضع اليهود في الممر من أدوات متنوعة في حادثتين خطيرتين سنة 1925م وسنة 1928م».

وتختم الرسالة بالقول «إن عصبة الأمم (آنذاك) عليها أن تعمل على صيانة السلام وهذا شأنها ولا أزيد على ذلك إلا تقديري لما يكتنف حكومة جلالة الملك البريطاني في الاضطلاع بعبء المحافظة على حقوق الطوائف في فلسطين كافة سواء من ناحية مقدساتها ومعابدها أم غير ذلك».

وفي نهاية الرسالة يقول المغفور له الملك المؤسس، إني لآمل أن يصل صدى صوتي إلى عصبة الأمم والدولة المنتدبة. ومن يهمه الأمر من ذوي المقامات الرسمية وتوطيد الألفة والسلام.

هذه الوثيقة أهميتها في إنها تعتبر إحدى وثائق الوصاية الهاشمية الموصولة، وهي تعبر عن موقف، بالإضافة إلى انها تستحضر أدلة شرعية وتخاطب الانتداب آنذاك انطلاقا من قوانينه ووثائقه.

وهي تعبر عن دور موصول حتى يومنا، لملوك بني هاشم، في حماية المقدسات وصونها… إذ إن الوصاية الهاشمية حتى يومنا هذا نجحت في صون المقدسات بفلسطين في أكثر المراحل التاريخية خطورة، وهي وثائق يضاف لها مواقف موصولة للملك عبداالله الثاني ابن الحسين في رعاية المقدسات وتأكيد جلالته أن الأقصى غير قابل للشراكة والتقسيم.

الرأي

زر الذهاب إلى الأعلى