الأردن والتوظيف السياسي

فايز الفايز

رغم الانحباس السياسي والضغط عالي الوطء والتراجع المخيف اقتصاديا نتيجة عام مضى عنوانه الرئيس وباء كورونا،فإن النتائج الايجابية على المستوى السياسي للمنطقة العربية جاءت بغير ما توقعه الجمهور العربي من غروب شمس الدور القوي للكيان الإسرائيلي الذي ناور رئيس وزرائه عبر سنوات خلت في توسيع الشرخ العربي لصالح دولة الكيان التي حصدت
أخيرا ثمار الغزل غير البريء مع جميع الأطراف عدا الفلسطينيين والأردنيين،وتوّج ذلك باتفاقيات سلام مع أربع دول عربية ليس لأي منها حدود مع الكيان، في محاولة من الحكومة الإسرائيلية لتجاوز الأردن بطريقة أو بأخرى.

اليوم بات التعاون الفكري والعصف الذهني والتشمير عن الأذرع لغايات وضع خريطة طريق سياسية جديدة للشرق العربي في أوجه، بعد العديد من المناقشات والطروحات التي هب لها عرب ويهود برعاية مراكز بحوث واستراتيجيات عبرية، وملخصها كيفية مواجهة السياسة الأميركية لمرحلة الرئيس الأميركي بايدن في التعاطي مع دول الشرق الأوسط، وتوظيفها لصالح أطراف المصالحة،ويأتي ذكر الأردن كمقترح يمكن ضمه للنقاشات إذا بقي مقعد على الطاولة، ولكن الفلسطينيين باتوا أقرب الى المشاهدين على المقاعد.

الأردن كان منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم مخدوم بقاعدته السياسية مع واشنطن المبنية على وضوح فيما يريد وما يراد منه، ولهذا طالما كانت عمان مفتاحا للعديد من الأبواب المغلقة في العاصمة الأميركية ومؤسساتها التشريعية، وكان ذلك
معتمدا على حقل كبير من الرؤية السياسية وتدريبات عالية المستوى في المناورات سياسياً وأمنيّاً، تسندها الصورة الأكبر عن الأردن كبلد يعرف كيف يتحالف مع الأضداد دون انحياز، ومخدوم بجغرافيته السياسية التي حافظ على استقرارها أمدا بعيداً، غير أن مجيء الرئيس دونالد ترمب وسياسته التي تشبه الفيل ?لأعمى في حقل من البطيخ، حطمت الكثير من القواعد الأساسية لصالح تل أبيب.

اليوم لا أحد يخفي خشيته من السياسة المغايرة تماما للرئيس بايدن، ولكن إسرائيل بالطبع هي آخر ضم يخاف على التغيير الأمريكي أو الخشية من انقطاع الصعود الملتهب لسياسية بنيامين نتانياهو الذي يحاول حتى آخر رمق لضم أكبر عدد من الحلفاء حوله، كي يقدم نفسه قائدا محترما على الشرق الأوسط، ولكن برزت لديه معضلة وهي العلاقات التي تربط أركان الحكم في عمان مع الإدارة الأميركية، خصوصاً أن بايدن كان ضمن إدارة باراك أوباما يوم القطيعة ما بينه وبين نتانياهو وحكومته.

الخلاصة أن الأردن اليوم،مدعوم بمكانة جلالة الملك، يجب أن لا يتقمقم في عزلة عن مستقبل الخريطة السياسية العربية التي حاول البعض حشره في زاويتها الضيقة، وهو اليوم الأقدر والأنشط، إذا أراد، على القفز عن كافة الحواجز للعودة الى مكانته كطاولة عتيقة يحتاجها اللاعبون الكبار، وهي طاولة غير منحازة ولكنها اليوم أقرب ما تحتاجه الى إعادة الثقة في عيون الإدارة الأميركية التي راقبت المشهد عبر أربع سنين ورأت ما يكفيها من العالم العربي.

الأردن وحده هو الواجهة الشرقية لفلسطين التي تشكل شوكة في خاصرة الكيان الإسرائيلي، والجميع يعرف أن عمّان هي المحطة الأولى عربيا لواشنطن الديمقراطية إذا أرادت وهي تمتلك مفاتيح عديدة، ويجب الإسراع في استغلالها لتأكيد مكانتنا، قبل أن توظف الأطراف غير المعنية أدوارها سياسياً على حساب مصالحنا العليا ووجودنا كدولة تستطيع إثبات وجودها سياسيا على الأقل.

الرأي

زر الذهاب إلى الأعلى