تعديلات “النزاهة ومكافحة الفساد” والموقف من الهيئة

فهد الخيطان

السجال المحتدم حول تعديلات قانون النزاهة ومكافحة الفساد والصلاحيات المقترحة للهيئة، هو نقاش صحي ومفيد، ويؤشر على حقيقتين أساسيتين؛ الأولى أن الهيئة تحقق حضورا كبيرا في الأوساط العامة، وتحظى بثقة الجمهور. والثانية أن قضية مكافحة الفساد تحوز على اهتمام شعبي واسع، بوصفها من أهم الأولويات الوطنية للدولة والشعب.
وفي المقابل، ثمة إشارات لا تخطئها العين، تشي بأن بعض الأوساط المتضررة من سطوة الهيئة ونفوذها تسعى بغطاء من الخطاب الشعبوي إلى تقييد دورها، وأكثر من ذلك شيطنة صورتها، بتصويرها كجهاز للقمع وليس محاربة الفساد.
ينبغي أولا أن نميز بين موقفنا المبدئي من دعم الهيئة ودورها بشكل مطلق، وبين رأينا في التعديلات المقترحة، بحيث لا يكون الاعتراض على بعض التعديلات مدخلا للحط من مكانة الهيئة وتقويض الثقة بدورها.
التعديلات معروضة على طاولة السلطة التشريعية للنقاش والتعديل والتطوير، وهي وحدها من تقرر في نهاية المطاف إقرار هذه التعديلات أو رفضها وتعديلها إن تطلب الأمر.
ومن حيث المبدأ، يجب الاتفاق على أن توسيع صلاحيات هيئة النزاهة ومكافحة الفساد ينفع ولا يضر، حتى وإن كانت بعض التعديلات المقترحة منصوصا عليها في القوانين الأخرى. فما الذي يزعجنا في تأكيد المؤكد ما دام يخدم هدفا نبيلا؟!
والتعديل المقترح على القانون، ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن تم إقرار أكثر من تعديل على القانون، استنادا للتجربة والخبرة المتراكمة للهيئة، التي كشفت عن ثغرات في التشريع، تمنح المتورطين في قضايا الفساد فرصة الإفلات من قبضة العدالة. على سبيل المثال التعديل الخاص بالحق في إجراء التحقيقات المتعلقة بالنمو غير الطبيعي للثروة، وتوقيف الأشخاص لمدة يومين في حالات الاشتباه، لمنع هروب المتورطين. لقد واجهنا عشرات القضايا وربما أكثر سنويا لأشخاص تمكنوا من الهرب خارج البلاد بعد ارتكاب جرائم الاعتداء على مال عام أو مؤسسات القطاع الخاص كالبنوك، دون التمكن من ضبطهم.
أما القضايا المتعلقة بملاحقة جريمة غسيل الأموال، فلا يعقل أن القائمين على الهيئة والحكومة لم يلحظوا وجود دائرة في البنك المركزي لملاحقة مثل هذه القضايا، لكن من المؤكد أن هناك ثغرات تشريعية استوجبت وضع نص قانوني لضمان إحباط مثل هذا النوع من الجرائم الخطيرة، التي تهدد سمعة الجهاز المصرفي، وتمس بالاقتصاد الوطني.
التعديل الأكثر إثارة للجدل يتعلق بنشر الإشاعات وتشويه السمعة واغتيال الشخصية، فقد اعتبره البعض تقييدا لحرية وسائل الإعلام، خاصة وأن هناك تشريعات أخرى تنص على أحكام لمثل هذه التهم.
هذا المقترح، على وجه التحديد، يحتاج لتجويد أكثر في الصياغة، بحيث يزيل اللبس حوله، لكن ينبغي الإقرار هنا بأن الإشاعات في هذا المجال تضر بجهود مكافحة الفساد الحقيقية، فهي بمثابة الغبار الذي يثار لحجب الوقائع وتشتيت الجهد. وفي حالات عديدة، تبين أن إطلاق الإشاعات كان الهدف منه التغطية على حالات فساد حقيقي في موقع آخر، ولهذا تحتاج مثل هذه القضايا إلى متخصصين للتعامل معها من أصحاب الخبرة. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام عامة في الأردن لا تتورط عادة في نشر معلومات غير مؤكدة أو مدعومة بالأدلة في قضايا الفساد، وهي تتحرى الدقة والمهنية قبل النشر، ولذلك لن تتأثر بشكل مباشر في التعديل المقترح. ثم ما الذي يدفعنا إلى افتراض سوء النية في القائمين على محاربة الفساد في الهيئة، وبأنهم يخططون من وراء هذا التعديل لتقييد حرية وسائل الإعلام في مكافحة الفساد.
منح هيئة النزاهة مزيدا من الصلاحيات، يعني دعما مباشرا لجهود مكافحة الفساد، والتشكيك بدور هيئة بنت رصيدا كبيرا من المصداقية، لا يخدم سوى الفاسدين.

الغد
زر الذهاب إلى الأعلى