بيت القرار الأممي بين الفعل والتفاعل

حازم قشوع

الفعل هو السلوك الذي يمارسه الفرد بهدف تحقيق غاية معينة، بناءً على قواعد أساسية تضبط الموضوعات، بحيث تحدد بمدد زمنية ضمن سياق منهجي يعبر عن ثقافة فاعل الفعل، كما تقوم على أهداف بدافع معلوم نابع من ضمير الفاعل، أما التفاعل الاجتماعى فهو العلاقات الاجتماعية التي تقوم على أساس التفاعلات الطبيعية الإنسانية التي تصدر عن مجموعة بحيث يشكل كل فعل من أفعال الجموع جملة اجتماعية تنطوى على أفعال الآخرين، وهو ما بينه «ابن خلدون» في مقدمته بطريقة بسيطة عندما حدد أنواع التفاعل والتي تبدأ من التفاعل المباشر والتفاعل البنَّاء أو الهدّام، والتفاعل الفردي أوالجماعي، والتفاعل المؤقت أو التلقائي، أو العرضي، وهو ما يشكل محتوى تفاعل الجموع، وبيئة الاستجابة.

أما المعادلة التي يمكن استنباطها من وراء ذلك فإنها تقوم على معادلة الفعل، حيث الطاقة التي يمكن أن تمثل منتجًا أو منجزًا وتفاعلًا حيث الرابط وبيئة الاستجابة، وهو ما يتأتى من ذات المعادلة التي يقوم عليها بيت القرار عند صياغة أو صيانة  قراراته، حيث تعرف بالشرعية الذاتية للفعل التي لا بد أن تقترن بالمشروعية الموضوعية للتفاعل لتكوين رابط المحتوى، وهو الرابط الذي بدوره ينسج تفاعلية العلاقة، هذا على اعتبار أن الفعل في هذه المعادلة يشكل شرعية اتخاذ القرار بينما تمثل المشروعية في ذات المعادلة إطار عنوان محتوى القبول، وباب الاستجابة، وهو العامل الذي يحفظ للفعل البيئة الحاضنة عندما تحفظ له ديمومة البقاء والاستمراية، وبيت الاستدامة.

ولأن مضمون التفاعل في البيئة الاجتماعية غالبًا ما يشكل مصدر القرار، وإن كان لا يتخذه بطريقة مباشرة، فإن بيت القرار يعتمد عليه بطريقة مباشرة لتحقيق درجة الاستجابة وغير مباشرة في ميزان التغذية الراجعة، وذلك في تكوين عناصر الحماية المجتمعية أو الدولية؛ لما تشكله بيئة المحتوى أيضًا من رافعة ذاتية يعزز من خلالها بيت القرار مناخات، ويرفع من مستويات الثقة، وهو العامل الذي تستهدفه كل المجتمعات بتأصيل القيم الوطنية، وتعميق محتواها الذي يقوم على الولاء للمؤسسات والمرجعيات، والانتماء المكاني للجغرافيا السياسية.

إذن، القصة لا تقف عند الفعل أو صناعة منتج، ولا ترتبط بروابط المحتوى فقط؛ لأن قصة النجاح أو ما يعرف بشرعية الإنجاز التي ينشدها الجميع تتكون من مجموع نسبي يجمع عوامل الفعل مع محتوى التفاعل لإحداث الأثر المجتمعي المطلوب الذي يقدم المنجز بمحتوى إنجاز بما جعله قادرًا على تعميق درجة التأثير في المجتمع، وتقوية درجة تماسك روابطه ليكون أشد منعة، وأصلب مناعة.

من هنا كانت العلاقة بين الفعل والتفاعل هي علاقة أساسية في بناء حالة صحية في الوطن تقوم على ثابت العلاقة بين الفرد، والمجتمع، والنظام.

فهنالك منجزات علمية مهمة لم تحدث حالة الاستجابة المطلوبة على الرغم من مصدقيتها العلمية ومرجعيتها الصحية الاممية الداعمة كما بينه اكتشاف المطعوم الوقائي للكوفيد، الا ان ظروف الاستجابة الشعبية مازالت دون المستوي المطلوب، ليس لمكانة المنجز العلمي وما يحتويه بل للمناخات التي سادت ظروف انتاجه والتي كانت تحتوي على كثير من اللغط المعرفي وعناوين من مناخات التشكيك المعنون باتهامية، وهذا كان لا بد من علاجه بطريقة جماعية كونه يشكل جانب اعاقة وكما ان مناخاته تشكل حالة من السلبية التي تجعل من عناصر الاستجابة في البيئة المحيطة عناصر ممانعة وليست محتويات جاذبة بتقديم الفاكسين او المطعوم الوقائي وكما الاجراءات الصحية المتممة التي مازالت بحاجة الى ضوابط حازمة لتحقيق عنصر الاستجابة المستهدف.

فان الكيفية التي يراد بها هذا الملف على المستوى الدولي مازالت دون المستوى المطلوب والملف الوبائي لا يدار بطريقة انسانية بقدر ما يدار من واقع تقديرات قومية، وباتت الشركات هي من تتحكم في ميزان الامور بدلا من المرجعيات الاممية، وهذا ما يضع علامات استفسار واستفهام عديدة حول الطريقة التي تدار بها الامور والتي تفتقر الى الحدود الدنيا من عناصر القبول وبالتالي الاستجابة وهذا ما يجعل بيت القرار الدولي بحاجة الى اعادة صياغة إن لم تكن في الجملة العلمية فانها حكما في النهج الاداري الذي تقوم علية في ادارة هذا الملف وتحديدا في بيت الاستجابة.

واعود هنا للتأكيد على الدعوة المهمة التي كان قد دعا اليها جلالة الملك عبدالله الثاني منذ اندلاع هذه الجائحة عندما دعا جلالته الى ضرورة ايجاد مرجعية سياسية وليست اممية علمية فقط تهدف باجازة الادوية دون وجود انظمة مركزية تنظم كيفية التوزيع والياته تتعامل به مع الانسانية باعتبارها محتوى الاستجابة من على ارضية عمل تتساوى عبرها جميع المجتمعات في اطار المجتمع الانساني، فان الجائحة لا يمكن حلها باطار قومي او محتوى وطني بل من خلال عمل تشاركي يتشارك فيه ومعه الجميع بطريقة معرفية وادارية وثقافية لبناء عنصر الثقة وتحقيق عنوان الاستجابة المطلوبة.

فما هو مطلوب من بيت القرار الاممي لا يقف عند عامل المعرفة وشرعية الاجازة العلمية بل ان ظروف الجائحة تستدعي الدعوة الفورية لعقد مؤتمر عبر شبكة التواصل المرئي ينظم عوامل المعرفية العلمية في اطار اداري جامع بحيث لا يعالج الجائحة من منظور طبي فحسب بل يعالج رواسبها وكيفية الخروج منها على كافة الاصعدة والمستويات ولتعمل البشرية ضمن نسق واحد وضمن جملة ادارية واعلامية وسياسية واحدة يجعلها قادرة بالعودة بعجلة الاقتصاد وتعمل على علاج القضايا الاخرى المتعلقة بالجوانب الاجتماعية والظروف المعيشية والحالات الانسانية، وهو ما يشكل اساس الحل ولا يقف عن ابوابه فقط.

الدستور
زر الذهاب إلى الأعلى