عبدالهادي المجالي ..

اليوم افاق الكثير من الأردنيين والمشتغلين بالعمل السياسي على نبأ رحيل احد اكثر رجالات الأردن انغماسا بالعمل العام وغنى وتنوع الخبرة التي اكتسبها من رحلة عمل امتدت من هندسة القوات المسلحة الى دبلوماسية العلاقات الدولية ومن تطوير التقنيات والأساليب الأمنية الى العمل الحزبي وسياسة النقد الناعم وتكييف الفكر والعمل الجماهيري ومحاولات دمجه في قوالب واطر حزبية اقبل عليها البعض وارتد عليها البعض الاخر..

في الأردن يصعب الحديث عن مجلس النواب وشكله الجديد الذي تبلَور في حقبة التسعينيات من القرن الماضي وحتى نهاية العقد الأول من الالفية الثالثة دون ان التوقف عند اسهامات الرجل وبصماته التي بقيت دامغة على جدران المؤسسة التي استعارت شيئا من حلمه وصبره وسماحته التي ظلت علامة مميزة للرجل ومسيرته يحتفظ بخصاله ولا يتخلى عنها مهما اشتد النقد وعلت الأصوات حتى وان وصل النقاش حدود التجاوز والاتهام.

لقد كان عبدالهادي المجالي رمزا وعنوانا ولونا لكل من أراد ان يكون سمته هادئا رصينا كما كان مدرسة في التحمل والعفو والرعاية للحلفاء والخصوم كيف لا وهو يرتكز على موروث عائلي كبير من الحكمة والسماحة والايثار.

لسنوات طويلة بقي عبدالهادي معلما في إدارة للحوار المنضبط وبارعا في صناعة الاجماع وخلاقا في ابتكار أدوات التنسيق بين السلطتين دون اهمال قيادات و اقطاب العمل البرلماني ومكرسا مل طاقاته لكي لا يحدث ما قد يؤدي الي استفزازهم او تهميشهم….

خلال عملي القصير كوزير للشؤون البرلمانية وتفاعلي اليومي مع المجلس كنت ارقب تمازج الفطرة والبراعة والثقة بالنفس التي تمتع بها المرحوم واشهد ثمارها في تحييد الخلافات وتذويب نزعات التشدد والنجاح في الوصول الى مواقف تخدم المصلحة العامة ولا تقلل من أهمية التنوع والاختلاف….

خارج القبة وفي زياراته وجولاته وتلبيته للدعوات تمكن عبدالهادي من جمع المئات من طلائع الشباب الوسطي المعتدل ممن لا يرون ضيرا في الإبقاء على كل الأطر السياسية والثوابت ويسعون الى إيجاد منهجية جديدة متطورة لتحقيق الأهداف فشكل تيارا سياسيا عريضا وواعدا تذوق معه حلاوة القرب التي ما لبثت ان تحولت لبرود وجفاء وبعد .

كأحد أبناء شرق الأردن الذين كانت بيوتهم وعائلاتهم معاهد ابتدائية لتعليم صغارها الجندية فتحت عيوني علي سماع قصص الجنود وتشكيلات الجيش والقيادات الواعدة فقد كان العساكر العائدين من معسكراتهم في اجازات نهاية الشهر يتحدثون في مجالس ومناسبات القرية عن الضباط اللامعين وسجاياهم فيذكرون حابس المجالي وقاسم المعايطة وبهجت المحيسن وعبدالهادي المجالي ومطيع حماد وكاسب الصفوق وغازي عربيات وغيرهم من القادة الذين لا عقيدة ولا ميل لهم غير الايمان بالله وخدمة الوطن…

كان البعض كن أبناء قريتنا يتحدثون عن هؤلاء الرجال كما تتحدث التغريبة الهلالية عن أبو زيد وجساس وكليب والزير فهي القصة الوحيدة التي كان بمقدور الجميع في قريتنا استيعابها ومعرفة خصائص ابطالها.

في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي عين عبدالهادي المجالي مديرا للأمن العام وقد كان نجمه ساطعا واستبشر الجهاز بقدومه فقد جاء القرار بعدما كان الهادي سفيرا لدى الولايات المتحدة واليابان وفي اعقاب رحلة عمل عسكرية اوصلته الى موقع رئيس اركان الجيش العربي….

في تلك الأيام شهد الجهاز نهضة كبيرة اخرجته من دائرة ضبط الجريمة وملاحقة الفاعلين والواجبات التقليدية الى مفهوم الامن الشامل والمراكز الأمنية واتمتة العمل الأمني ومشاركة المجتمع في مسؤوليات الحماية والتنمية والتصدي وقد بدى الجهاز كخلية نحل منتجة.

خلال الأعوام التي أمضاها في الجهاز شعر الجميع بانهم بامرة قائد متزن وهادى عقلاني يستمع ولا ينساق خلف الانفعالات والاقاويل.. للكثير من الذين تشرفوا بالخدمة الشرطية وبالرغم مما قيل وبقال أحيانا فقد كانت المرحلة ذهبية بحق.

الرجل الذي ما توفف عن التكيف والتموضع والجاهزية للخدمة العامة وزيرا وسفير ونائبا وقائدا عسكريا وشيخا وزعيم حزب يطوي الصفحة الأخيرة من رحلة عمل قاربت علي الستين عاما وهو قلق على الأوضاع ومشتبك من مقاعد المتفرجبن مع الاحداث….

اليوم يرحل زعيم وشيخ وقائد من قادة اجهزتنا ومجتمعنا تاركا لنا الكثير مما يمكن النظر اليه والتمعن فيه… لقد رحل الفريق اول عبدالهادي المجالي.. ليترك فراغا يصعب ان يملئ الرحمة لروحك والعزاء لنا جميعا….

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى