مريد البرغوثي.. انتقاء المفردة بدقة الجراحين

هلا أخبار – لو التقى أي انسان بمريد البرغوثي وسأله سؤال الحياة البسيط: أين تسكن؟ ينصعق بتعقيدات الإجابة: أنا لا أقيم في الأماكن، أقيم في الأوقات، أعرف نفسي طفلا، أعرف نفسي شابا، أعرف نفسي عجوزا، أعيش في أماكن دائما مهدد بتركها. سكنت في حوالي 45 منزلا، وعشت في ثلاث قارات، وطوال الوقت لم يكن ذلك اختياري.

رحل مريد البرغوثي (دير غسانة 1944- عمان2021) بعد أن عبر لنا في كتاباته الشعرية والروائية والنثرية عن تقلبات الحياة والسياسة والواقع والحنين والظروف العامة والشخصية التي عصفت بالفلسطيني منذ النكبة، فصار اللاجئ والمشرد والمنتكس والبطل العادي.

يصف البرغوثي الحال كما هو، دون إضافة هالة الاستثنائية على الفلسطيني، فهو لا يرغب بتضامن مع الحالة أو تضامن بفعل الكتابة، بقدر ما يود توصيل كيف عاش ويعيش هذا الانسان العادي في ظل احتلال مجرم، أعاق الحياة لكل ما هو فلسطيني من انسان وحجر وشجر وجمال وزراعة واقتصاد ورياضة وسياسة، حتى في الحزن والفقد والموت، تدخلت اجراءات الاحتلال، فمنعت أجسادا من أن تدفن في ترابها، ومنعت حضورا مقربا من الدرجة الأولى لجنازات ومشافٍ ومطارات.

اختارته المنافي كواحد من أكثر الذين عانوا منها وعبروا عنها، عابرينها بقوة الإرادة للحياة، غير مستسلمين لما سيواجههم، لتلك المفاجآت التي لا تترك الفلسطيني يكمل طريقه دون أن يكون لها كلمة، موجعة وقاهرة.

في الأدب، هو الماهر والدقيق والمجدد، والمبتعد حتى عن نفسه في عمل قديم، متنقلا بين الرواية والقصيدة والنثر، واضعا كرسيا خاصا يجلس عليه حتى لو لم يكن حاضرا، في الثقافة العربية، ذاهبا بكتاباته إلى العالمية، أو بمعنىً أدق أتته الترجمة بنفسها، لتعبر بإصدارته لغات وقارات.

وصل البرغوثي علوا في الأدب، لأن انشغالاته في الكتابة كانت بمثابة عمل جراحي متقن ملخصا لحظات التفكير بالكتابة: “أنتقي المفردة بدقة الجراحين”.

كما كتب مرة: “كان هاجسي هو “معمار” القصيدة، كيف تنشغل وكيف تتسلسل من بداياتها إلى الضربة الأخيرة.

وهو يرى أن هناك قصائد تفشل في نقل مأساوية الوضع، وتفشل في خلق التأثير الذي تتوخاه والذي يهدف إليه شعراؤها، وسبب فشلها أن المأساة ليست شأنا ذهنيا جاهزا قائما بذاته، بل هي تتجسد في بشر حقيقيين، تتجسد في هذا الشخص أو ذاك وفي هذا الوضع الملموس المعين.

“نحن أبناء شؤوننا التي تبدو عابرة ولكنها تبقي أثراً يشكل شخصياتنا والشاعر يلتقط هذا الهامشي والعابر والبسيط ويتوقف عنده ويتعمق فيه.” مريد البرغوثي من مقالة “النهر لا ينبع من مصبه” مجلة الكرمل العدد 55-56.

خارجا من الرحم في دير غسانة، القرية الصغيرة في شمال غرب رام الله، إلى العالم، دوله وقاراته، لغات وحيوات وتجارب، أحزان ومسرات، صدف وانتقاءات، شعوب وعادات وتقاليد ومقارنات، وسياسة تسقط على الرأس كالنيزك حيثما حل كعربي بشكل عام وكفلسطيني بشكل خاص.

“إن الريف الفلسطيني هو ريف الحياة الصعبة الفقيرة الموحشة لكنه أيضا ريف الطرب والرقص والفكاهة والفصيحة. إن أهلنا يغنون للسعيسعة وللشعير والقمح والمطر والطهور والشهادة والخلافات والصلح والزيارة والطفل الغافي على زند أمه التي تكاد تغفو لولاه.” مريد البرغوثي 1998.

من هم أصدقاء مريد البرغوثي؟ إنهم رضوى عاشور، غسان كنفاني، ناجي العلي، محمود درويش، إميل حبيبي، وآخرون من أدباء كبار عربا وأجانب! أسماء ثقيلة، توزعت بين شهداء وكُتاب نقاد وأكاديميين وشعراء ورسامين وموسيقيين.

هو الذي يخشى التعلق بالأماكن والأشخاص تعلقا شديدا، لأن لديه إحساس بأنه سيفتقدهم، قال مرة: “ليس هناك مكان دائم لشخص مثلي”.

مريد الذي كان يترك مكتباته في أماكنها حين يغادر، ويوزع أشياءه الشخصية على أصدقائه وأصحاب البيوت التي يستأجرها، ويأخذ في ترحاله ما يراه “الثوابت” وهي القواميس والمراجع فقط.

في حديثه خلال أمسية شعرية وحوارية في الكويت في بدايات عام 2019، بعد غيابه أربعين عاما عن الكويت، قال مريد: حين تسكن في بيت مستأجَر، وعاء القهوة ليس من اختيارك شكل فنجان القهوة ليس من ذوقك، واللوحة المعلقة على الحائط قد لا تقتنيها لو خيرت..

كان يرى في نفسه دائما ال “بدون”، فهو بدون ورق، بدون بطاقة، بدون اطمئنان، بدون ضمانة، وانه “ال بدون الكوني”.

“أنا متفرغ للكتابة والقراءة منذ سنوات طويلة جدا، وقد اخترت أن أخسر خسائر كثيرة، واعياً أنها خسارات لمجرد احترامي لمهنة الشعر. ودفعت أثمانا متفاوتة من تشتت عائلي وإبعاد وترحيل ومنافٍ بسبب الشعر.” مريد 1998.

بعد عودته إلى دير غسانة بعد الغياب الطويل الذي امتد ل30 عاماً، يكتب مريد: كنت أتوقع أنها ازدهرت وكبرت، وفيها أماكن للعمل ومسرح ودور سينما، لكن الواقع يقول ما زالت قرية، ما زالت ملامحها كما هي، وهذا ما يفعله الاحتلال، إنه يعيق تقدم المكان.

(وفا)

زر الذهاب إلى الأعلى