قراءة في مقال الأمير الحسن

الدكتور زيدان كفافي

نشر سيدي سمو الأمير الحسن بن طلال مقالاً في الصحف ووسائل الإعلام المحلية الأردنية بعنوان « على عتبة المئوية الثانيىة للدولة»، يعكس الماضي ويرسم للمستقبل.
وقد ربط سموه في هذا المقال بين الاحتفال بمئوية الدولة، وبين مناسبة عبد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، وكأنه يقصد الاستمرارية بين تأسيس وبناء الدولة ومستقبلها. وقد لفت انتباهي استخدام سموه لمصطلحين هما «النهضة» عوضاً عن الثورة، كما أشار إلى أنه في البدء أن مسمّى الدولة كان «إمارة الشرق العربي». ويعكس هذا المفهومان التوجه القومي للملكة الأردنية الهاشمية وحملها مسؤولية نهض الأمة العربية بعد حكمها لمدة تزيد عن الأربعمائة عام بقليل. كما أن تسمية جيش الأردن بالجيش العربي، يدل دلالة واضحة على أن الأردن هو بلد العرب وأنه القاعدة لبناء أمة عربية يقودها الهاشميون إلى العُلا. وهنا يبرز سؤال هام، هو: ألم يحمل الهاشميون لواء نهضة الأمة العربية منذ نزول الرسالة على النبي محمد صلوات الله عليه؟ ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، ومنذ الدعوة الإسلامية وعددنا تضجيات الهاشميين بالنفس والمال في سبيل رفعة هذه لأمة، لما انتهينا. فهذا أولهم العباس عم النبي، ويتبعه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) يفقد حياته إغتيالاً، وآخرهم الملك فيصل الثاني ملك العراق يفقدون حياتهم دفاعاً عن الدين والعروبة. وإذا كان الهاشميون حجازيو النسب والأصل فإن قبورهم تنتشر في فوق تراب القدس، وبغداد، وغزة هاشم، وغيرها من البلدان العربية.
يقدم مقال سمو الأمير الحسن ، حفظه الله، مراجعة لما كان الأمر عليه قبل تأسيس إمارة الشرق العربي،وإمارة شرق الأردن، والمملكة الأردنية الهاشمية. أي شرح ما كان عليه الحال خلال المائة عام المنصرمة. وكأنه يقول هذا هو الماضي الذي أسس للدولة التي نحن عليها هذه الأيام. كيف تمأسست دوائر الدولة التي حملت على أكتاف أهلها الذين انضموا لجيش النهضة العربية الكبرى، وكيف أن الأردن وعلى صغر مساحته كان ولا يزال الحضن الدافئ لأبناء الأمة العربية والذين ساهموا في بناء مؤسساته، ووضع قواعد الدولة المدنية التي يحكمها الدستور الذي قام عليه جلالة الملك طلال رحمه الله في عام 1952م. وأشاد سمو في مقالته بالروح القومية عند أبناء الشعب الأردني، رغم الظروف الصعبىة التي واكبت نشأة الإمارة، وتآمر بريطانيا وفرنسا على المشروع الهاشمي بإقامة وطن قومي عربي في بلاد الشام. وأن هاتين الدولتان وبعد خروجهما منتصرتين في الحرب العالمية الأولى هما من رسما الحدود وقسموا سوريا الطبيعية إلى عدة دول، وكانت الأردن أولاها، على الرغم من رفض الهاشمين لهذا التقسيم، بل أن الملك فيصل بن الحسين الأول هو أول من واجه الفرنسيين في معركة ميسلون في عام 1920م، ومع خسارته لهذه المعركة خسر العرب وحدة بلاد الشام، وتمزقت إلى دول بأعلام متعددة. ومن هنا يبرز دور الهاشميين في الحفاظ على الهوية العربية والمقدسات وتضحياتهم في سبيلها.
بعد هذا التوضيح حول نشأة الدولة والظروف التي أحاطت بها، وكيفية استمراريتها بتلاحم أبنائها على الرغم من تعدد منابتهم وأصولهم ودياناتهم ضد الرياح العاتية والمعاكسة في بعض الحالات في كثير من الأوقات.
هذا ما كان، لكن لا بد من التساؤل حول ما سيكون في المئوية الثانية القادمة، وكيفية استمرارية بناء الدولة في إقليم مضطرب الحال والأحوال، وفي عالم سريع متغير. ولحسم الأمر طرح سموه أسئلة لا بد من الإجابة عليها لنرسم خارطة طريق للمستقبل، وهي:
«1. ما هي الدولة التي نريد للمئوية الثانية؟
2. وما هو المجتمع الذي نخطط له في المئوية الجديدة؟
3. ما هي المؤسسات التي نُقيمها ونطورها في ظل إطار تشريعات عصرية قابلة للثبات والتجدد؟
4. ما هو خطابنا المحلي والإقليميوالعالمي للمئوية الثانية؟»
وفي سياق إجابته على هذه التساؤلات، طالب بوجود صياغة متوازنة بين الدولة والمجتمع والمؤسسات الحاكمة، خاصة إذا ما علمنا أننا نعيش في عالم متحرك تحكمه التكنولوجيا والحداثة. فهل تملك النخب، أم أصحاب القرار أم الشباب القدرة على تحمل مسؤولية ما هو آتٍ؟
وحرص سموه على القول بأن التفكير في المستقبل من خلال التساؤل حول ما هي الدولة التي نريد للمئوية الآتية، وأجاب بأن «الدولة المدنية» هي الأساس في الاستمرارية. ولا بد إلاّ أن تقوم هذه الدولة على نظام حداثي متطور. وأن يكون المرتكز لحكم هذه الدولة المدنية الدستور الأردني الذي صدر في عام 1952م. وأشار أنه من الواجب سن تشريعات جديدة تتناسب وروح العصر والمعاصرة، إضافة إلى ضرورة تحديث وتطوير الإدارة والتشريعات الناظمة الموجودة ليكون بالإمكان القدرة على التغيير. ولتحقيق هذا يصبح من الواجب الاسترشاد بما ورد في «رسالة عمّان»، والتي تشدد على المسامحة والوسطية والاعتدال، وكذلك «الأوراق النقاشية» التي حدد فيها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه المنهج والطريق اللذان يوصلان الأردن والأردنيين لبر الأمان والاستقرار.
كما أشار سموه إلى ضرورة الاهتمام بالكفاءآت المناسبة للزمن القادم، وألاّ نركز على الشخصية بل على الكفاءة وذلك ضرورة للموائمة بين الحداثة والمعاصرة. وأضاف سموه أن المجتمع الأردني مجتمعٌ أصيل، وهو متنوع ومتجذر ومتجدد في شكله، ومنفتح على الآخر. واقترح أنه من الضرورة بمكان تحفيز الأفراد في المجتمع الأردني على القدرة للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة والحريات المسؤولة والواعية دون النظر للمنابت والأصول. ولتحقيق ذلك لا بد من تهيئة النظام والسياسة التعليمية والتعلمية المناسبة والانتقال لتعليم المنهج الفكري الصحيح ليصبح الفرد فاعلاّ في الإطار الجمعي وذلك باستخدام العقل.
كما أكد سمو الأمير الحسن في مقالته على ضرورة إدارة موارد الأردن بالشكل الصحيح، وذلك من خلال استخدام الأراضي الجافة للزراعة، والتركيز على الثروة الحيوانية لتشكل الزراعة وتربية الحيوانات مصدراً اقتصادياً مهماً. وبهذا أيضاً نساعد على حل مشكلة البطالة.
وعلى مدى العقود العشر الماضية لاحظنا مدى اهتمام الهاشميون بالجيش العربي، فهو الذي حمل راية العروبة طوال المائة عام المنصرمة، وضحى بنفسه بالدفاع عن الأرض والعرض، فلا زالت رائحة دماء شهدائه البرار على أرض فلسطين، وأسوار القدس. ومن هنا لا بد من الاستمرار ببناء هذا الجيش الحامي والمدافع والمنتمي للوطن والموالي للأسرة الهاشمية.
لقد ضحى الهاشميون كثيراً في الدفاع غن الأراضي المقدسة والمقدسات، فها هو ضريح الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه، في المسجد الأقصى، شاهداً على هذا. كذلك ما قام به المرحوم الملك الحسين بن طلال رحمه الله من البدء إعادة لإعمار قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وإعادة بناء منبر صلاح الدين الأيوبي والذي تم في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله خير دليل على ذلك.
وفي ختام مقالته تمنى سمو الأمير الحسن حفظه الله ورعاه للوطن وأبنائه الدخول في المئوية الثانية بسلام وأمان. حفظ الله الأردن وأدام الله حكم الهاشميين وعلى رأسهم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه، وأدام عزه.

الدستور

زر الذهاب إلى الأعلى