من يجرؤ على الرد؟

كتب: د. جهاد المومني

مؤسف بالفعل ألا تكون الرواية الرسمية للأحداث هي الأكثر دقة وصدقاً ولا تهزمها الإشاعات والأكاذيب حتى تلك التي لا يصدقها عقل، والأكثر أسفاً أن تلتزم الجهات الرسمية الصمت إزاء إشاعات تهدد مصداقية الدولة بكاملها ومع ذلك لا تحظى باكتراث من يعنيهم الأمر للرد والتوضيح ونفي الأكاذيب.

أما المضحك المبكي في هذه المعضلة العجيبة أن النشطاء يتداولون عن طيب خاطر وبمنتهى الجرأة خبراً صادماً وهم يعرفون تماماً أنه مجرد إشاعة لا تمت للحقيقة بصلة، والسبب وراء هذه الجرأة والتطاول لا يخفى على أحد وهو أن من يطلق الإشاعات يعلم أن أحداً لن يرد ليكذّب روايته ولذلك يتجلى في تنميقها وإطلاقها بكل ما فيها من ضغينة وحقد على كل ما هو رسمي أو حكومي على وجه التحديد، وما أن يتم تداولها على نطاق واسع حتى تكون قد كبرت ككرة الثلج وأصبحت فزاعة لها رأس ويدان وقدمان.

كيف يحدث ذلك؟ ولماذا لا تتحرك الحكومات والجهات المستهدفة للرد والتوضيح؟ ولماذا لا توضع الحقائق أمام العامة؟

كنت مرة قد كتبت في هذه المسألة وتلقيت جواباً خجلت من نشره في حينه واحتفظت به لنفسي رغم أنني تلقيته من شخص مسؤول، لقد شعرت بالخجل نيابة عنه إذ أجابني بأن (لا دخان بدون نار)، وكانت تلك إجابة تعني أن لكل إشاعة أساسها وما يحدث هو أن النشطاء إنما يجعلون منها حكاية يجري تعميمها فقط، وهذا الاعتراف الصريح بأن الإشاعات ليست في حقيقة الأمر إشاعات وإنما حقائق لكنها مشوهة أو محرفة أو منقوصة، يضعنا في الموقف الأضعف ويجرنا إلى كارثة حقيقية على صعيد مصداقية الدولة.

ورغم أنني لست أصدق أن كل إشاعة لها أساس تستند إليه، وأن قاعدة (لا دخان بدون نار) ليس هذا مكانها أبداً، إلا أنني أشعر وكأن صمت الحكومات يضيف إلى قصص الفساد طعماً خاصاً ليجعل منها قصصاً مستساغة عند عامة الناس بمن فيهم الأقرب إلى تصديق الرواية الحكومية لو وجدت.

ومع مرور الوقت وكثرة الإشاعات ومواصلة الجهات الرسمية التزامها الصمت فإن ما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي أصبح من المسلمات حتى نحن الذين نرى الصورة بكاملها صرنا نشكك في قدراتنا على فهم ما يجري وأصبحنا نميل إلى تصديق ما ينشر ويقال.

يقول الناس إن الحكومات لا ترد لأن كل ما يقال صحيح حتى تلك الإشاعات التي تفندها الحكومات أحياناً هي ليست إشاعات وإنما حقائق ولذلك تتجاهل الحكومات توضيح معظمها على قاعدة (الناس بتنسى)، لكن الناس لا تنسى بل تتصيد القرار والخطاب الرسميين وكل ما هو رسمي عند كل هفوة.

وعلى النقيض من المنطق فإن الحكومات غالباً ما تشحذ همتها لتوضيح وتفنيد إشاعات هي في الواقع حقائق يعرفها القاصي والداني بينما تغض الطرف عن الأكاذيب التي يتم تداولها عبر فيديوهات ومنشورات لا تمر مرورالسحاب مثل المناسبات السعيدة ومنشورات المجاملات وتهاني أعياد الميلاد، بل يعاد نشرها ويستمر تداولها لأيام وأسابيع وأشهر وتخزن في ذاكرة الأردنيين لإعادة التذكير بها ثم أرشفتها على أنها حقائق تضاف إلى تاريخ البلد.

ومع ذلك لا حياة لمن تنادي وكأن الجهات الرسمية تصم آذانها وتغمض عيونها لأنها تريد للناس أن يتسلوا بقصص الفساد ويلوكونها ما داموا لا يعملون وليس بين أيديهم من مهنة أو وظيفة غير تعاطي النشر بواسطة هواتفهم الخلوية، أو أنها تعتقد أن الإعلام الاجتماعي أصبح متنفساً للاحتجاج الكلامي الذي يبقى مقبولاً حتى لو تجاوز الخطوط الحمراء وأساء للدولة ومقوماتها، فما دام الاحتجاج في إطار الكلام إذن يمكن تجاهله، وهذا خطأ شنيع تقع فيه الحكومات لأن الكلام نافلة الفعل.

لقد أوصلنا السكوت وعدم المبالاة إلى حالة من البلادة ليس فقط على مستوى المسؤلين وأصحاب القرار، وإنما على مستوى الجمهور وفي مقدمته (السحيجة)، فمن يشتم الحكومة والمؤسسات الرسمية والمسؤولين ويطلق كذبة يحظى بآلاف التعليقات وإشارات الإعجاب بشجاعته، ومن يقول الحقيقة حتى لو لم يمتدح احداً يتعرض للتنمر ويسمى سحيجاً ولا يجد من يؤازره في مواجهة موجة الكراهية التي تلاحقه.

ومع ذلك ثمة ادعاء بأن الدولة تطلق الذباب الإلكتروني للتشويش على طويلي الألسن ومؤلفي الإشاعات، ولكن؛ أين هو الذباب الإلكتروني؟ إذا كان من يفزع للجهات الرسمية يتعرض لبطش أصحاب الصوت العالي ولا يجد من يقف إلى جانبه ولو بتعليق منصف.

قلة قليلة من المسؤولين ينتفضون غضباً على إشاعة تطعن الأردن في خاصرته ويتم تداولها، والبقية تمارس البلادة واللامبالاة وكأنهم ضيوف في مواقعهم، لكن هؤلاء مستعدون لخوض معركة كبرى إذا مستهم الإشاعة بشكل شخصي في رواتبهم ومكتسباتهم الوظيفية، عندئذ سيقاضون المسيء وسيلاحقونه عشائرياً ويطالبون بتعويضات مالية عما لحق بهم من ضرر معنوي، أما إذا اقتصرت الطعنة والإهانة على البلد فهم إذن غير معنيين بها، ما يعنيهم راتب نهاية الشهر والمكافآت والامتيازات الوظيفية.

وأغرب ما في الأمر أن هذا الصنف من المسؤولين ينال من المنافع والامتيازات الكثير حتى أصبحت حكاية المسؤول الساكت وحظوظه الوفيرة تتردد كما الإشاعة تماماً، فمن يكسب الرهان اليوم نماذج من الأردنيين ليس من بينهم الغيورين على سمعة البلد ومصالحه، إنهم نموذج المسؤول صاحب مقولة (لا دخان بدون نار)..!

المزيد من الأخبار

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق