قراءة في العلاقات الاردنية العراقية

*الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

يبقى الحدیث عن مستقبل العلاقات العراقیة– الأردنیة ذو خصوصـــیة معینـــة، ذلـــك كون تلـــك العلاقـــات رســـمتها المعطیـــات التاریخیـــة والجغرافیـة والسیاسـیة لتشـكل عمقـا اسـتراتیجیا لكـلا البلـدین علـى مـدى عقـود طویلة من الزمن والتي بدورها ستعمل على إيجاد معززات لتلك العلاقات في المستقبل القریب.

وتعتبر العلاقات الأردنية العراقية علاقات وثيقة تاريخيا، بين الشعبيين والبلديين. وكانت هناك عدة جهود لتوحيد جهود الدولتيين خلال القرن الماضي. الأردن منذ العام 2003 أصبح قبلة للعراقيين على مختلف انتماءاتهم الطائفية والسياسية، وشكلت الجالية العراقية المقيمة في الأردن تجمعاً مصغرا للشعب العراقي.

كانت العلاقات الأردنية العراقية تتسم بطابع الود والاتفاق على كثير من الأمور المهمة ذات العلاقة المشتركة بينهم،

وفي عام 1979، تعمقت وتحسنت العلاقات بين الأردن والعراق  بسبب الموقف القومي الأردني من الحرب العراقية الإيرانية، التي وقف فيها العراق يدافع عن البوابة الشرقية للوطن العربي، وعن حقه في استعادة أراضيه ومياهه وازدادت أواصر العلاقة السياسية والشعبية بين القطرين فدعم الأردن بقيادة المغفور له الملك حسين آنذاك العراق ووقوفه بجانبه ضد إيران.

واعتبرت الحكومة الأردنية إيران تهديدا محتملا، ليس فقط للأردن لكن أيضا خطرا من التمدد الفارسي، وقطع امدادت النفط؛ وأصبح الأردن الرئة الوحيدة التي تنفس بواسطتها العراقيون، أصبح ميناء العقبة الأردني والطرق البرية بين الأردن والعراق خط الإمداد الرئيسي طوال ثماني سنوات من تلك الحرب، وفي المقابل، كان العراق يزود الأردن بالنفط بأسعار تفضيلية.

الفترة ما بين 1991-2002 استمرت العلاقات الجيدة بين البلدين وكان فيها الأردن المتنفس الاقتصادي الوحيد للعراق في فترة الحصار على العراق وبقت العلاقات تسير ضمن ضوابط محسوبة واعتماد متبادل فالعراق لا يستطيع التخلي عن منفذه الوحيد على العالم الخارجي كما ترحب الأردن باستمرار التعاون في الجوانب الاقتصادية.

عرف عن سياسة القيادة في الأردن انها تجيد تقييم الأوضاع المستجدة وتستفيد من تجارب الماضي، وتتخذ الموقف المحسوبة دون ان تسقط من حساباتها عملية الموازنة من مصالح الدولة ورغبات الشعب لاسيما اثناء الغزو الأمريكي الغربي للعراق وموقف الشارع الأردني من السياسة الأميركية.

كمـا شـهدت تلـك الحقبـة تحركـات أردنية لحـل أزمـات العـراق مـع الولایـات المتحـدة والمتعلقـة بعملیـات التفتـیش عـن أسـلحة الـدمار الشامل، فخلال شهري نیسان/ ابریل وتشرین الثاني/ نوفمبر مـن عـام ١٩٩٧التقــى المغفور له الملــك حســین مــع الــرئیس الأمريكي كلینتــون، وخــلال اللقــاء ســعى جلالة الملك الحسین إلى محاولة إقناع الرئیس الأمریكي بجدوى تخفيف العقوبـات الدولیـة على العراق لما تركته من آثارٍ سلبیة ليس على العراق حسب بل وعلى المنطقة بإكملها.

في  تلك الأثناء كان الدور الأردني مهما في تقديم المساعدات الطبية والغذائية بالإضافة إلى تسهيل عمل ودخول المنظمات الدولية في الأردن لتقديم المساعدات بكافة أشكالها. وتم إنشاء مستشفى ميداني في الفلوجة، وإرسال فريق طبي من وزارة الصحة لمدينة الرطبة لتطعيم الأطفال العراقيين، ورصد مبالغ للهيئات الخيرية الأردنية لتقديم المساعدات الطبية للشعب العراقي، الى جانب استمرار الأردن بالتزاماته بتدريب كوادر الشرطة والجيش العراقيين إضافة إلى تدريب الكوادر الأمنية.

وعلــى هــذا الأســاس كانــت هنــاك عــدة عوامــل تبرر وتشدد على أهمية تطوير العلاقات العراقية الأردنية بصرف النظر عن من يحكم العراق منها موقعه الجغرافية وعلاقاتـه السیاسـیة والاقتصـادیة والاجتماعیـة الوثیقـة مـع كـلٍ مـن العـراق  ویفـرض المتغیـر الجغرافـي ثقـلا كبیـرا علـى سیاسـات الـدول، ولهـذا المتغیـر مجالـه الحیـوي القـوي والمباشـر الـذي اسـتطاع أن یكـون احـد أدوات السیاسـة الخارجیــة ویحــدد ماهیــة العوامــل والمــؤثرات التــي تســتطیع أن تملكهــا الدولــة وباتـت عنصـرا مـؤثرا فـي أنمـاط سـلوكیة الدولـة وتفكیرهـا الاسـتراتیجي لصـانع القرار.

الأردن الـذي یملـك ملفات تؤثر تداعیاتها علـى الوضـع العراقـي، إذ یسـعى صـناع القـرار العراقـي إلـى بنـاء علاقـات ومصـالح حقیقیـة مـع الجـار الغربـي كـذلك إقامـة مشـاریع اقتصادیة كبرى لتكون هذه المشاریع جزء من منظومة امن البلاد فالمصالح الحیویة بین البلدین تسهم في حل المشاكل التي قد تواجههم مستقبلا ويمكن للأردن أن یكون عامل استقرار داخل المنظومة العراقیة، فالأردن یستضـیف مئات الآلاف من العـراقیین علـى أراضـیه بمختلـف توجهـاتهم وانتمـاءاتهم لاسيما وان القيادة في الاردن تحرص أن یكـون التعامـل تعاملا ایجابیا.

فضــلا عــن ذلــك ولان العــراق یــرتبط بحــدود مشــتركة مــع الأردن تمتــد لمســافة181 كــم، فــان دور الاردن خلافا لسـوریا وایـران،كان ايجابيا كما يمكنه أن یقوم بدور فعال بفتح قنوات بین العـراق وبعـض الـدول العربیـة بفضـل سیاسـة الوسـطیة التـي یتبعهـا وكونـه لایـرتبط بـأيمشاكل مع أي دولة عربیة،كذلك هناك اهمیــة الحضــور السیاســي الأردنــي، عربیـاً ودولیـا فـي العمـوم وعراقیـاً علـى وجـه التحدیـد، وهـي الأقـرب لكـل منـاطق التـوتر والصـراع والحدث في الشرق الأوسط.

 

المزيد من الأخبار

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق