صدور كتاب “محاولة لفهم التاريخ” للجرباوي

هلا أخبار – يربط علي الجرباوي، في كتابه "المعرفة، الأيديولوجية، والحضارة، محاولة لفهم التاريخ"، بين علاقة تراكم المعرفة المادية عبر الزمن، الناجمة عن استمرار تفاعل جدلية علاقة الإنسان مع البيئة ومع غيره من البشر، مع نوع الأيديولوجيات المنتجة تعبيرا عن ذلك، في العلاقة مع تكوين الحضارة.

يقول الجرباوي، في مقدمة كتابه التي جاءت بعنوان "رحلة البقاء"، إنه انطلق في بحثه هذا من فرضية مفادها بأن التاريخ خط زمني متصل لا ينقطع، تتولى تفاعلاته وأحداثه تباعا نتيجة هذه العلاقة المستمرة والمتواصلة، والتي يعبر عنها بتكوين ثقافات محلية، يتحول بعضها إلى حضارات عالمية، تتوالى هذه الحضارات في خط سير متصاعد عبر العصور، يدلل على مجرى تطور الحياة البشرية، ويعكس ظاهرة ازدياد علمنة وعولمة العالم مع مرور الزمن.

يرصد الكتاب، بحسب الجرباوي، عملية تكون الحضارة، وعلاقات الحضارات المتعاقبة مع بعضها بعضا عبر العصور، ومكونات من الثقافات المستقلة وتلك المتبقية من حضارات سابقة داخل كل عصر من العصور. ومن خلال ذلك يتم ليس فقط التعرف على الكيفية التي تشكل فيها التاريخ البشري في السابق، وإنما نظرة على ماهيته ومساره في المستقبل أيضا.

جاء الكتاب في خمسة فصول وخاتمة؛ الأول يناقش بتر التاريخ، فكرة أساسية هي أن التاريخ البشري ابتدأ مع بدء تدوين وجود الإنسان على الأرض، واستمر منذ ذلك الحين وحتى الآن من دون انقطاع، وعلى هذا الأساس، يجابه هذا الفصل بتحليل نقدي، المزاعم الغربية الناشئة عن النظرة الاستعلائية المرتبطة بفكر "المركزية الأوروبية"، والمحورية الغربية"، التي قامت خلال فترة العقود الماضية بالترويج لفكرة مفادها بأن تاريخ تطور الحياة البشرية ابتدأ مع بعث أوروبا لنفسها.

ويشير الى أنه منذ انطلاق عصر النهضة في القرن الخامس عشر، يرتبط هذا الترويج بمفهومي الحداثة والعصرنة بنشوء وارتقاء الحضارة الغربية بشكل مطلق، فاصلا عصرها عن عصور الحضارات السابقة، وكأنها نشأت من ذاتها، من دون اعتمادية على ما أنتجته سابقاتها من تراكم للمعرفة المادية، ما يجعل من انبثاق هذه الحضارة وكأنه "بداية التاريح".

وينوه الجرباوي الى أنه تناول في هذا الفصل: أفكار فرانسيس فكوياما حول "نهاية التاريخ"، وصامويل هنتنغتون حول "صدام الحضارات"، ومدرسة التحديث الأميركية فيما يتعلق بفكرة ديمومة إلحاق غير الغربيين بالغرب، وينتهي الفصل إلى تعرية المحاولة الغربية لـ"بتر التاريخ"، وجعله غربيا منفصلا عن سياقه الزمني السابق واللاحق.

فيما يتحدث الفصل الثاني عن تدحرج التاريخ، ومحاولة إعادة التاريخ إلى سياقه الزمني الطبيعي، وتحقيق ذلك يتم بتسلسل زمني مختصر ومكثف، وتتبع لكيفية تطور جدلية العلاقة التي تربط الإنسان مع البيئة، مع العلاقة التي تربط الإنسان مع الإنسان، وفي هذا السياق يجرى، من جهة، تحليل كيفية تأثير محدودية المصادر المتاحة من البيئة للإنسان، على تطور ظاهرتي "تقسيم العمل" و"الملكية الخاصة"، وما أدى إليه ذلك من أثر على مستوى التعاون والتنافس بين البشر.

من جهة أخرى، كما يقول المؤلف، يجري تحليل أثر هذه العلاقة الجدلية على تطور وعي الإنسان على منطلقاته وآرائه ومعتقداته عبر الزمن، وخصوصا في ظل تراكم المعرفة المادية وانحسار الغيبيات، إيذانا بزيادة علمنة الفكر الإنسان مع مرور الوقت، ويتم ذلك بالتطرق الى كيفية نشوء الدولة لتنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع واستعرض آراء مفكري نظرية العقد الاجتماعي.

ولربط مفهوم التطور بالسياق الزمني الطبيعي للتاريخ، ومواجهة الترويج لفكر "بتر التاريخ"، يستعرض الفصل نظرية النشوء والارتقاء لشارلز داروين، والمادية التاريخية لكارل ماركس.

ويشير المؤلف إلى أنه في الفصل الثالث يتحدث عن الحضارة؛ حيث يقدم تعريفا للحضارة، ما يؤدي الى ضرورة فحص العلاقة الارتباطية بينها وبين الثقافة، ومراجعة آراء المدارس الفكرية المختلفة بهذا الخصوص. وبعد التعريف ينتقل الفصل للأسباب الكامنة لمسيرة نشأتها وصعودها، ثم هبوطها واندثارها، ولكي تستوفي المعالجة حقها، يجري استعراض آراء أربعة من أهم المفكرين المتخصصين بدراسة الحضارة، وخصوصا ما يتعلق بسبب نشوئها، وتتبع مراحل وجودها، وهم "ابن خلدون وأوزوالد شبنجلر وأرنولد تويتبي وكارول كويجلي".

فيما يتحدث الفصل الرابع، كما يقول الجرباوي، عن الحضارات المتموضعة، والعالمية والإغريقية والرومانية، والحضارة العربية-الإسلامية، والحضارة الغربية، ومسار التاريخ، فيما يتحدث الفصل الخامس نحو إطار نظري؛ حيث يصل البحث الى غايته النهائية المتمثلة بمحاولة رسم معالم إطار نظري، يمكن من خلاله فهم وشرح وتفسير مسار التاريخ المتعلق بتطور الحياة البشرية على الأرض، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وذلك بربطه بالمسار التعاقبي للحضارات العالمية ورسم ملامح علاقة تفاعلها مع بعضها بعضا.

ويقدم الجرباوي، في خاتمة كتابه، نظرة مستقبلية تتنبأ بأن الثقافة الصينية هي الوحيدة التي تمتلك المقومات الضرورية لتحدي الحضارة الغربية، وإنتاج حضارة بديلة تحل محلها، فإنها تنبه الى أن انبثاق وصعود الحضارة الصينية سيكون شأنا أكثر تعقيدا وصعوبة، وسيتطلب وقتا أطول بكثير مما تحتاج له الصين لبلوغ قمة النظام الدولي. ولكن مع ذلك، فإن العبرة التي يمكن الخروج بها من هذا البحث، هي أن جدلية العلاقة التي تربط الإنسان مع البيئة، والإنسان مع الإنسان، هي المحرك الأساسي للتاريخ، الذي ينثال متدحرجا، بديمومة واستمرار.

ويذكر أن د.علي الجرباوي هو مدير معهد إبراهيم أبولغد للدراسات الدولية، حاصل على درجة البكالوريوس في علم الاجتماع، ودرجتي الماجستير في الإدارة العامة والعلوم السياسية، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة سينسيناتي، وعمل في كلية العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في العام 1981، وعمل مستشارًا خاصًا لرئيس الوزراء سلام فياض وأشرف على إعداد خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية 2008-2010، وشغل منصب المدير العام للمركز الفلسطيني المستقل لحقوق المواطن من العام 1997 إلى العام 2000، وعمل أمينًا عامًا ومديرًا تنفيذيًا للجنة الانتخابات المركزية من 2002 إلى 2004.

المزيد من الأخبار

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق