الإثنين, 26 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية

العلاقة الأردنية – الإسرائيلية: إلى أين؟

كتب بارق محادين لـ هلا أخبار *

في أدبيات فض النزاع وبناء السلام، يُعرّف مفهوم السلام السلبي بأبسط أبجدياته، كما وضعه عالم الاجتماع النرويجي غالتونغ، على أنّه حالة السلم التي تغيب عنها مظاهر العنف والنزاع لكن دون وجود حالة من التعاون بين الدول التي تحتكم لموجبات هذا السلام. وتتمثل الخاصية المركزية المميزة للتباين بين هذه الحالة من السلام والسلام الإيجابي على افتقار الحالة السلمية السلبية لمقومات الاستقرار في العلاقة وحضور عوامل كامنة من شأنها تأجيج الصراع ونشوءه تحت أي ظرف.

عليه، ليس من الصدفة استحضار هذا المفهوم عند الحديث عن تطوّر مسار العلاقة الأردنية – الإسرائيلية. ذلك أنّه لا يُخفى على المتابعين لمشهد هذه العلاقة نزوحها تحت وطأة السلام السلبي لعقدين أو أكثر من عمر اتفاقية السلام بين البلدين وهي تقف اليوم على مشارف العقد الثالث منذ توقيعها. فالانحدار الحاصل في العلاقة، والذي عبّر عنه جلالة الملك في جلسة حوارية نظمها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (2019) بتوصيفها على أنّها في أسوأ حالاتها، يأتي كنتيجة مباشرة للسياسات الإسرائيلية الداخلية المعادية للأردن والتي قوّضت من فرص بناء سلام إيجابي شامل وقتلت معها حظوظ تعافي مسار السلام وعوائده.

بيد أنه من المهم ملاحظة أن هذا التوصيف الذي ورد على لسان جلالة الملك لم يكن وصفًا وليدًا للحظة، بل جاء كنتيجة طبيعية وحتمية لسلسلة من الأحداث والتطورات التي بدأت العصف بالسلام الأردني الإسرائيلي في مهده. من محاولة اغتيال خالد مشعل من قبل الموساد الإسرائيلي في عمان (1997) وحادثة الجندي الأردني الدقامسة قرب الباقورة في ذات العام، مرورًا بانتفاضة الأقصى والتجاوزات الإسرائيلية المستمرة في الحرم الشريف، وصولًا إلى حادثة السفارة الإسرائيلية في عمان (2017) وتداعيات خطة الضم الإسرائيلي التي حملت قراءات أمنية مغايرة ومتباينة حتى في الداخل الإسرائيلي.

في هذا السياق، لا يمكن ايضًا إغفال حقيقة أن انزياح الطيف السياسي في الداخل الإسرائيلي نحو اليمين سيستمر بالانعكاس سلبًا على العلاقة مع الأردن. ويمكن التقاط شواهد عديدة لهذا الانزياح أبرزها المناورات الإسرائيلية لتقليم الدور الأردني في عملية السلام والحد من الوصاية الهاشمية على القدس ومقدساتها والالتفاف حول مشاريع اقتصادية مشتركة كناقل البحر الميت والضغط على الأردن بملفات سيادية هامة كالمياه والزراعة والطاقة. انزياح ساهم بتسريعه ودعمه وجود إدارة أمريكية سابقة دعمت توجهات تل أبيب وتحركاتها الأحادية بشكل غير مسبوق، وتغذّى على تحولات إقليمية بارزة في ملف العلاقة العربية – الإسرائيلية مؤخرًا، والتي لا يُبالَغ في قول إنّها جاءت على حساب مصلحة الأردن ودوره التاريخي وأمنه الوطني بشكل كبير. مجتمعةً، دفعت نتائج هذه التحولات المنسجمة والمصالح الإسرائيلية الأحادية بالعلاقة مع الأردن نحو نفقٍ مظلم وجمودٍ واضح في علاقة المملكة مع إسرائيل.

في المقابل، لم يقف الأردن ساكنًا إزاء هذه الضغوطات. بدءا من الحراك الديبلوماسي والقانوني الدولي النشط بالضد من السلوك الإسرائيلي والضغط على الجانب الإسرائيلي لعكس الإجراءات المخلة بالوضع القائم في الحرم القدسي الشريف كالتراجع عن وضع أجهزة كشف المعادن عند مداخل المسجد الأقصى، مرورًا بفرض السيادة الأردنية الكاملة على أراضي منطقتي الباقورة والغمر بإنهائه العمل بالملحقين الخاصين بهذه المناطق في اتفاقية السلام، وليس انتهاءً بدراسة “جميع الخيارات” المرتبطة باتفاقية السلام، كما ورد في حديث جلالة الملك لصحيفة دير شبيغل الألمانية منتصف العام الماضي.

عليه، لا مناص من قراءة الحادثتين الأخيرتين المتمثلتين بإلغاء زيارة سمو ولي العهد الأردني للمسجد الأقصى من الطرف الأردني، والحديث الإسرائيلي عن عرقلة زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات بعد رفض مرور طائرته عبر الأراضي الأردنية، إلّا في سياق تصاعد الخلاف بين عمّان وتل أبيب ووصوله إلى علنية في العداء والتناكف. علاوةً، فمن المهم كذلك أن يتم تسييق هذه الأحداث في مسار الانتخابات الإسرائيلية القادمة في غضون عشرة أيام، ذلك أن حكومة نتنياهو تسعى بشكل حثيث إلى تسجيل نقاط تعوضها عن الانكشاف السياسي الذي باتت تعانيه بعد مغادرة إدارة الرئيس ترامب لردهات البيت الأبيض، خصوصًا في ظل التصريحات التي رشحت عن موقع يانيت التابع لصحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية حول لقاء سري جمّع جلالة الملك مع وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس، وانتقاد الأخير خلال الاجتماع لعلاقة نتنياهو مع الأردن واضراره بها.

بيد أن هذا التوصيف للعلاقة الحالية ينهض بسؤالٍ مفصلي حول مسار العلاقة المستقبلية بين البلدين. هنا، يبدو من الواضح أن مسار العلاقة لن يشهد تطورًا ملحوظًا ما أنكبّت حكومات اليمين الإسرائيلي على تداول السلطة وممارستها. ذلك أن السمة العامة لمخيم اليمين الإسرائيلي لا تعطي وزنًا بالغًا للسلام مع الأردن. وقد ورد هذا نصًا صريحًا في عدد من منشورات اليمين الإسرائيلي وتقديراته للأمن الوطني وصحافته، كما نشرت ارولين غليك في صحيفة إسرائيل هيوم، أرييه إلداد في يومية معاريف، موتي كاربيل في صحيفة ماكورريشون المحسوبة على الصهيونية الدينية واليمين المحافظ، بالإضافة إلى آخرون.

بالتالي، يبدو من الأهمية بمكان أن يعاد النظر اليوم في توازن العلاقة الناظمة بين البلدين ومراجعة شروطها الأطرية لتعكس ادراكًا أوسع من قبل مطبخ القرار السياسي في الأردن حول مآلات هذا السلام المتعثّر وانعكاساته الداخلية والخارجية. هنا، يمكن الإشارة إلى أربعة مبادئ رئيسية يجدر أن تلازم عقل الدولة الأردنية ضمن جهود إعادة تقييمها للعلاقة الأردنية – الإسرائيلية. أولًا، عدم التعويل بشكل كبير على نتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة حيث إنّ التحولات التي طرأت على النظرة الإسرائيلية الاستراتيجية لدور الأردن ومكانته هي أقرب لكونها تحولات بنيوية وليست آنية. وعليه، يبدو من غير المحتمل أن ينجم عنها أيّ انعطافات إيجابية كبرى في مسار العلاقة الأردنية – الإسرائيلية على المديين القصير والمتوسط.

ثانيًا، النظر إلى الداخل الإسرائيلي بعدسة تتخطى تجانس الدولة الإسرائيلية ومكوناتها. بمعنى، يستوجب على الأردن اليوم الاستمرار بالبحث عن مناهضي النهج القائم لحكومة نتنياهو ومخيم اليمين الإسرائيلي في الداخل الإسرائيلي والاستفادة من سباق التنافس السياسي الإسرائيلي ومناورات الكرّ والفرّ فيما بينها. إذ يتبين لمراقبي المشهد الإسرائيلي أن التيارات السياسة الإسرائيلية ليست على “قلب رجل واحد” فيما يتعلق بالعلاقة مع الأردن، وعلى الحنكة الاستراتيجية الأردنية، إذن، أن توظف هذه المناورات الداخلية لخدمة المصلحة الأردنية وذلك عن طريق البحث عن “اليسار” بين شقوق الجسد اليميني الإسرائيلي القائم.

ثالثًا، تجديد الالتزام بالمبدأ الحقوقي عبر التمسك بمظلة القانون الدولي لتسهيل جهود الحشد والمناصرة بالضد من المواقف والإجراءات الإسرائيلية. هنا، يستوجب على الأردن تعزيز حضوره بشكل أكبر في المحافل الدولية وديبلوماسيات المسار الثاني لتعظيم دور الممكنات الشعبية والأهلية وغير الرسمية من المساهمة في تحقيق مصالحه والدفاع عنها. ذلك أن لهذا المسار من العمل الديبلوماسي أهمية بالغة في مساندة المسار الأول الرسمي عبر تحديد فواعل وقضايا وجماعات مستهدفة مترابطة تمكّن القائم عليها من تخطي معضلة الديبلوماسية التقليدية المتمثلة بالجمود وضيق مساحة المناورة العلنية. ومن شأن تبني هذا الأسلوب، الجديد نسبيًا في العمل الديبلوماسي، أن ينتقل بالعلاقة ذات البنيان العامودي إلى أخرى ذات بنيان أفقي يساعد على تنوع أوراق الضغط التي يمتلكها الأردن في مواجهة التحركات الإسرائيلية.

رابعًا، يتطلب تحسين ميزان القوة الناظم لقدرة الأردن على التعامل مع إسرائيل المعالجة الفورية لعدد من الملفات الأردنية الداخلية بغية تحصين الجبهة الداخلية وزيادة المنعة والمرونة الداخلية. ذلك أن قوة الأردن الرسمي وقدرته على المناورة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقوته غير الرسمية والأهلية التي تعد رافدًا أساسيًا للمبادئ الثلاثة التي سبق طرحها. ولا شطط في قول إن تبديد حالة السلام السلبي مع إسرائيل تبدأ من تبديد ذات الحالة من السلام السلبي في الداخل الأردني؛ من معالجة حقيقية وفعالة للمهددات الاقتصادية والاجتماعية والصحية (على ضوء الجائحة) التي من شأنها تشتيت قدرة وقوة الأردن خارجيًا. وهي تعد بمثابة شرطًا مسبقًا وموازيًا لتنويع خيارات الأردن الاستراتيجية وتأمين مسار إعادة تصور وإنتاج الدور الأردني في المنطقة.

 

[author title=”بارق محادين ” image=”https://i3.wp.com/cache1.hala.jo/wp-content/uploads/2021/03/31906762_10214418996662113_844397038614347776_o.jpg”]باحث في الشأن الأمني[/author]

 

×