احترام هيبة الدولة يستدعي بالضرورة انتصاب موازين العدالة بحيث يطمئن الجميع الى أنهم شركاء في بناء بلدهم، وأن لا أحد – مهما كان – يمكن ان يستقوي عليهم، او «يبخس» من حقوقهم، وان حقوقهم وواجباتهم معرّفة تماماً، ولا تحتاج الى «ممرات» غير آمنة لتحصيلها، وهذا يحتاج الى وجود «مؤسسات» تتحرك بمعزل عن «نزوات» الأشخاص وحساباتهم ومصالحهم، والى منظومة من «القيم» التي تستند اليها هذه المؤسسات سواءً تعلقت بأخلاقيات الوظيفة العامة، او بالقوانين والأنظمة السائدة.
المجتمعات العربية التي تعاني من الهشاشة والضعف أمام «تغول» بعض المسؤولين ، تهرب – في الغالب- الى استرداد هيبتها، أقصد هيبة المواطنين فيها، من خلال الاستقواء على القوانين، وهي تمارس عملية «الهروب» هذه في سياق الانتقام أحياناً او التمرد أحياناً أخرى…ومن المفارقات أن الحكومات -كما يفعل بعض الآباء- تحاول ان تفرض هيبتها «بالسطوة» والقوة، وأن تحافظ على صورتها بمزيد من القسوة، فيما الحقيقة ان اسهل طريق لتحقيق الهيبتين: هيبة الدولة وهيبة المجتمع معاً هو: العدالة والرحمة والحب المتبادل، فالدولة التي يشعر المواطنون «بأبوتها» هي الأقدر دائما على انتزاع احترامهم والتزامهم بكل ما تشهره من قوانين وأنظمة…وما تعبر عنه من مبادئ وقيم أيضاً.
نخطئ حين نتصور بأن امتناع الضمير العام للمجتمع عن الحركة و استسلامه للأمر الواقع، دليل على الصحة و السلامة و مصدر للإطمئنان و السعادة، ونخطئ ايضا حين ننام على ” عسل” ابتلاع المجتمع لكل ما يصدر اليه من مقررات، أو حين نعطل لواقطه عن الاستقبال و الارسال، ذلك أن المجتمعات الحية هي التي تحمي نفسها بنفسها من الاخطار، وتحافظ على استقرارها وتدافع عن مكتسباتها وترد عنها العاديات.
ان أخشى ما أخشاه أن يكون الصمت أطبق تماما على مجتمعنا، وأن لا نجد تفسيرا لهذا الصمت الا في معجم اليأس ، ومصدر خشيتي ان كل ما يحدث من تجاوزات، سواء أكان أبطالها معروفين أم مجهولين، وكل ما نواجهه من تحديات، سواء أكانت داخلية أو خارجية، يمكن أن نفهمها ونواجهها، الا ان ( موات) المجتمع أو انكماشة او عدم قدرته على الحركة و الرد، سيجعلنا فريسة سهلة لأي خطر، وسوف يسوغ لنا قابليات عجيبة و غريبة لاستقبال ” الطارق” مهما كانت هويته، و الاحتفاء بالبديل مهما كان شكله.
الاستدارة نحو الإصلاح، لا تصلح أن تكون رسالة من طرف واحد، او محاضرة لأساتذة على طلابهم الجالسين على المقاعد، أو خطبة وموعظة يوجهها شيخ فاضل لمستمعيه الذين يتعبدون بالصمت وحق الاستماع، الاستدارة “اشتباك” بين طرفين ونقاش عام يشارك فيه الجميع، “ولعب” سياسي نظيف، وروح رياضية عالية تتنافس فيه الفرق لتسجيل أهداف وطنية جميلة، الاستدارة لكي تكون مقنعة ومؤثرة وتحظى بثقة الجمهور يجب أن تخرج من يدي “الترزي” ومحلات التصميم الجاهزة إلى فضاءات المجال العام حيث “المجتمع” بمؤسساته وشخصياته العامة وخبراؤه والفاعلون فيه، هم من يشاركون في صناعة “الثياب” التي سيدفع ثمنها من مستقبله.
في بلادنا – للأسف- ثمة من يريد أن نعيش دائما تحت “قلق” الهويّة،وأن نتلاوم حول “وهم” من هو الوطني ومن هو غير الوطني،من هو الأردني الأصيل ومن هو الأردني البديل،وثمة من يحاول أن يورطنا في “فخ” التصنيف تبعاً للانتماءات والمواقف من هذه المؤسسة أو تلك، أو تبعاً للوظيفة والموقع والاقتراب من السلطة او الابتعاد عنها، ومقياس هؤلاء لا يعتمد على “الإنجاز” ولا الانحياز للضمير ولا “الخدمة” التي يقدمها الإنسان لبلده، وإنما على أساس حسابات أخرى لها علاقة “بالمكاسب” أو عقدة التاريخ أو الإحساس بالمظلوميّة أو البحث عن نصيب مفقود، أما حسابات “الوطن” الواحد الذي استوعب الجميع واحتضنهم فلا يتذكرها إلا الذين عاشوا مرارة هنا أرشدتهم للصواب، أو خيبة هنالك علمتهم قيمة أن يكونوا في وطن معافى من الحروب والصراعات،وإن كان مجروحا من كثير من التجاوزات والممارسات.
