العقول الكبيرة تناقش الأفكار دائما، فيما تركز العقول العادية على الأحداث، أما العقول الصغيرة فهي مشغولة بالأشخاص، وتمارس النميمة بصوت عال.
هذا التوصيف باعتقادي يعبر عن طريقة التعامل مع اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، خاصة وأن البعض أطلق أحكامه عليها قبل أن تصل إلى صياغة مقترحاتها، وانشغل بالأشخاص بعيدا عن الأفكار والأحداث.
الهدف من هذا المقال ليس الوقوف غفيرا للدفاع عن اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، بقدر ما هو التأشير على مواقف وحالة من عدم اليقين حاول البعض افتعالها حول عمل اللجنة للنيل من الجهد المبذول للتحديث والتطوير.
الضرورة تقتضي أن نقف أمام مجموعة من الحقائق أهمها أن الأردن لا يبدأ من الصفر عندما يشرع في تحديث المنظومة السياسية، بل يرتكز على إرث سياسي عريق ممتد على مدى مائة عام من عمر الدولة الأردنية، وما تخللها من مفاصل وأحداث قادت دائما إلى التطوير، لأن هذا ما يميز الشعوب الحية.
ولن أدخل في تفاصيل نقاشات اللجنة التي عهد إليها جلالة الملك عبدالله الثاني مسؤولية تحديث المنظومة السياسية، ولكن لا بد من تناول ماكينة التشويش التي تملأ الفضاء بالمعلومات المضللة للرأي العام بهدف توجيهه نحو عرقلة النقاشات، ومن ثم تشتيت التوافقات.
أحيانا تشعر بأن هناك قوى خفية متحفزة لمواجهة جهود التطوير والتحديث وتسعى من خلال أدواتها وأبواقها والحلفاء المتكسبين من الوضع القائم إلى إبقاء الناس في موقع الشك تجاه كل ما تقوم به الدولة، ومساعيها لإعادة بناء الثقة مع المواطن.
علينا أن ندرك جميعا، والتجربة خير برهان، أن ماكينة صناعة الإحباط تعمل على مدار الساعة ودون توقف، يريدوننا أن نرفض التطوير والتحديث في منظومتنا السياسية قبل أن نتعرف عليها… يسعون إلى تخدير عقولنا بالتفكير بالتفاصيل الصغيرة ليشغلونا عن النتيجة النهائية.
وأزيد أيضا أنهم جعلونا نفكر بتشكيلة اللجنة، التي أجزم بأن لا وصفة مثالية وتوافقية مطلقة ممكن أن نصل إليها، ولكن ما يهم أنهم جميعهم من أبناء وبنات الوطن ممن يمتلكون خبرات متعددة وخلفيات متنوعة، وهذا يكفي باعتقادي حتى لو تحفظ البعض على أفكار فلان أو فلانة.
ومن الضروري أن ننتبه إلى ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي التي منحت حقوقا متساوية للجميع في التعبير، وهذا حسن، لكن ومع الأسف أصبح الكل مختصا في كل شيء، فإن أراد مختص قانوني أو طبيب أن يبدي رأيه في قضية تتعلق بتخصصه، سيقابله شخص (فاعل) على هذه المنصات بهجوم يكيل فيه الاتهامات إذا لم تناسبه وجهة النظر المطروحة، وهنا وكما جرت العادة تضيع الحقيقة ويحرم الرأي العام من فرصة الاطلاع على تحليل علمي من شخص مختص.
وهذا يقودنا إلى ضرورة تناول حالة نمطية في التفكير عند البعض بدأت تترسخ في الآونة الأخيرة، وهي ثقافة (ليش مش أنا) المناقضة لمفهوم (تزهو بكم المناصب)، والتي تؤشر إلى واحدة من الأسباب التي تدفع البعض إلى مهاجمة آخرين قادتهم خبراتهم وخلفياتهم الفكرية إلى أن يكونوا جزءا من عملية التفكير بالمستقبل الذي نريده جميعا للأجيال المقبلة، وهو وطن مزدهر يشارك ابناؤه وبناته في صنع القرار.
والهدف هنا ليس تسخيف الأشياء بقدر ما هو الخوض في طريقة تفكير البعض للأسف وإطلاق الأحكام إزاء ما تشهده حياتنا من أحداث. وأيضا ليس الهجوم على تعدد الآراء والاختلاف في وجهات النظر حيال أي قضية وطنية مطروحة للنقاش، فهذا كما أعتقد ما نريده جميعا، ولكن المسألة مرتبطة بالتفكير السلبي، ووضع المعيقات للحفاظ على الوضع القائم كما هو ومهما كان شكله.
ولا بد من التأكيد على أن الطريقة المثلى لمواجهة التشكيك ووضع المعيقات أمام عمل اللجنة هو مواصلة الانفتاح على الجميع والشفافية في التعامل مع النقاشات والتوافقات ليعرف الجميع، كما قال جلالة الملك، ما هو المطلوب للمضي قدما نحو المستقبل.
وهنا أذكر الجميع بما قاله جلالة الملك في رسالته لدولة سمير الرفاعي “إن مسؤوليتكم اليوم تتمثل بوضع مشاريع قوانين توافقية تضمن الانتقال المتدرج نحو تحقيق الأهداف المستقبلية كاملة، والتمثيل العادل للمواطنين على امتداد الوطن، وتخدمهم في حاضرهم، وتستشرف تطور حياتهم ومستقبلهم.”
وأخيرا ما أتمناه هو أن نفكر كما قال الشاعر الكبير الجواهري:
أنا عندي وإن خبا أمل … جذوة في الفؤاد تشتعل
إنما الفكر، عارما، بطل … أبد الآبدين يقتتل
الغد
