الإثنين, 26 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية

الأزمة المالية تدفع أبناء الفقراء الجُدد في لبنان للمدارس الحكومية

هلا أخبار – على وقع تراجع قدرتهما المادية، قررت رولا مراد وزوجها نقل ابنهما الأوسط من مدرسة خاصة إلى مدرسة حكومية، رغم إدراكهما الفرق في مستوى التعليم بينهما في لبنان، لكن الانهيار الاقتصادي المتمادي لم يترك لهما خياراً آخر.

وتعتزم آلاف العائلات الإقدام على الخطوة ذاتها، بعدما لم يبق قطاع بمنأى عن تداعيات الانهيار وبينها قطاع التعليم الذي يشهد نزوحًا للتلامذة من المدارس الخاصة ذات الأقساط المرتفعة إجمالاً نحو المدارس الرسمية التي يعتبر كثيرون أن التعليم فيها أقل جودة، خصوصاً في المراحل ما قبل الثانوية.

وتقول رولا، وهي موظفة مُياوِمة في وزارة المالية، في مقابلة جرت من منزلها في بيروت «لطالما كان أولادي تلامذة التعليم الخاص، غير أنّ الأمور تغيّرت كثيراً». وتضيف «لم يعد بإمكاننا أن نتحمّل هذا العبء».

وقبل بدء معالم الأزمة الاقتصادية في أواخر العام 2019، والتي صنّفها البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ العام 1850، اعتادت العائلة دفع ما يعادل تسعة آلاف دولار، وفق سعر الصرف الرسمي، كأقساط مدرسية لأولادها الثلاثة.

لكن مع تدهور قيمة الليرة التي خسرت أكثر من تسعين في المئة من قيمتها وتراجع قدرتها الشرائية، نقلت العائلة ابنها البكر رواد العام الماضي إلى ثانوية رسمية لإتمام عامه الأخير قبل الجامعة.

الهبوط من الطبقة الوسطى

وتوضح رولا «دفعنا 250 ألف ليرة لبنانية (170 دولاراً حسب سعر الصرف الرسمي) كرسم تسجيل للسنة الدراسية الماضية (…) فيما كانت الكتب مجانية».

وسيحذو شقيقه ريان (14 عاماً) حذوه نهاية الشهر الحالي، بعدما لم تعد العائلة قادرة على دفع قسطه في المدرسة الخاصة.

وبات 78 في المئة من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، حسب الأمم المتحدة، بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة التي بدأت قبل أكثر من سنتين وفاقمتها تداعيات وباء كوفيد-19 وأزمة سياسية معقدة. ونبّهت منظمات عدة بينها «سيف ذي تشيلدرن (أنقذوا الأطفال)» إلى أن الفقر سيشكّل «عائقاً حاداً» أمام حصول الأطفال على التعليم، محذرة من «كارثة تربوية» ومن خطر انقطاع الأطفال من الفئات الأضعف نهائياً عن التعليم.

وأعلنت وزارة التربية في 23 آب/اغسطس المنصرم عزمها فتح المدارس الرسمية بدءاً من 27 أيلول/سبتمبر، رغم انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يومياً وشُح في المازوت والبنزين تعيق التنقل والحصول على وقود للمولدات الكهربائية.

وفرض لبنان إقفال المدارس في آذار/مارس 2020. وتمّ اعتماد نظام التعليم عن بُعد الذي تفاوتت فعاليته بين المدارس الخاصة والرسمية.

ومع تراجع قيمة دخله الشهري، استبق سامي مخلوف (55 عاماً) بدء السنة الدراسية العام الماضي بالانتقال من بيروت إلى قريته القاع النائية في منطقة البقاع (شرق)، حيث انصرف إلى العمل في مجال الزراعة.

وسجّل أولاده الأربعة في المدرسة الحكومية في القرية، موفراً على نفسه عناء دفع نحو 13 ألف دولار (وفق سعر الصرف الرسمي) كأقساط في المدرسة الخاصة.

ويوضح مخلوف أنه وجد نفسه «مجبراً على التأقلم» بعدما «قضت هذه الأزمة على الطبقة الوسطى، وصرنا الفقراء الجدد».

وحسب إحصاءات وزارة التربية، انتقل أكثر من تسعين ألف تلميذ منذ العام 2019 إلى المدارس والثانويات الحكومة، بينهم قرابة 55 ألفاً العام الماضي وحده. وتتوقع الوزارة زيادة هذا العام بنسبة 14 في المئة في المرحلة الابتدائية و9 في المئة في المرحلة الثانوية.

ولمواجهة النزوح من التعليم الخاص إلى العام الذي يضم أكثر من 383 ألف تلميذ، تحاول السلطات إدارة الأزمة غير المسبوقة عبر الاعتماد على مساعدات وهبات من المجتمع الدولي والجهات المانحة.

وأعلن وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال طارق المجذوب مؤخراً عن سلسلة تقديمات بالتنسيق مع الجهات المانحة مخصصة للمدارس الرسمية التي تضم أكثر من ثلاثين في المئة من إجمالي عدد الطلاب، يشمل أبرزها تأمين الكتب المدرسية مجاناً وتركيب ألواح طاقة شمسية لتوليد الكهرباء في 122 مدرسة حكومية، على أن تستكمل في 80 مدرسة أخرى للتخفيف «من عبء توفير مادة المازوت» الضرورية للتدفئة والإنارة.

وتقول مديرة الإرشاد والتوجيه في وزارة التربية، هيلدا خوري، أن هذا الواقع يشكّل «تحدّياً كبيراً» لكنه أيضاً «فرصة» لإصلاح المدارس الحكوية.

نهاية التعليم ذي الجودة العالية؟

في المقابل، يخشى القائمون على التعليم الخاص من الأسوأ في حال استمرّ الانهيار، على وقع هجرة العديد من الأساتذة والتلامذة. فبعدما أغلقت بعض المدارس الخاصة أبوابها واعتمد بعضها سياسات تقشّفيّة لتخفيف الأعباء، اضطرت أخرى إلى رفع أقساطها بنسبة تراوحت بين 30 إلى 35 في المئة.

وخسرت شبكة المدارس الكاثوليكية، وحدها التي تضمّ 321 مؤسسة تربوية و185 ألف تلميذ، نحو تسعة آلاف تلميذ خلال العام الماضي، كما أغلقت 14 مدرسة.

ويقول الأب بطرس عازار، الأمين العام السابق للمدارس الكاثوليكية في لبنان «إذا لم نحمِ القطاع الخاص، ستأتي نهاية التعليم ذي الجودة العالية».

ويتحدّث رودولف عبّود، نقيب المعلمين في المدارس الخاصة، عن «نزيف» في الهيئات التدريسية مع هجرة «بضعة آلاف من المدرسين» من أصل نحو 43 ألف مدرس متفرّغ ومتعاقد، بعد أن تدنّت قيمة رواتبهم التي تُدفع بالليرة اللبنانية.

وتقول لُمى الطويل، رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة «لم نشهد وضعاً مماثلاً من قبل» مضيفة «حتى التعليم، ركيزة مجتمعنا، ينهار».

أ ف ب

×