استقبلت يوم امس اتصالا هاتفيا من الباشا رياض الجوازنة رئيس هيئة التوجيه في كلية الدفاع التي تخرجت منها عام ٢٠٠٧ ومنذ ذلك العام لم نلتقي ابدا ذهب هو مديرا للحرب الالكترونية ثم ملحقا عسكريا في السفارة الاردنية في عمان ومضيت انا في منعرجات مهنة الصحافة مع الكثير من الغثيان الحكومي وبيروقراطية المؤسسات المدنية وغثائها في الكثير من الأحيان.
ذكرني رياض باشا بايام الدراسة في الكلية التي تخرج قيادات عسكرية ومدنية بمستويات فكرية تحليلية متقدمة خاصة في الاستراتيجيات السياسية والعسكرية واعادني الى الزيارة التي قمنا بها الى الجمهورية التركية حيث كان الباشا رئيس الوفد وكلفني ان اقوم بالحديث نيابة عن الوفد في العشاء الذي اقامته لنا قيادة الجيش التركي في قلعة اثرية قديمة تقع على جبل يطل على استانبول كانت قد حولتها السلطات التركية الى قاعة ومطعم وسط اجواء خرافية تجمع بين الحداثة والقدم….. ثم استرسل الباشا مادحا مداخلتي التي حظيت بأهتمام الضيوف والمعازيب ايضا مؤكدا ان نصها ما زال في الذاكرة .
في كلية الدفاع الوطني كان سقف الحديث ابعد واوسع بكثير من اي حوار علمي في اي قاعة جامعية من جامعاتنا الرسمية والخاصة معا وكانت هيئة التوجيه والتدريس وآمر الكلية الرائع الباشا محمد فهد العلاف حريصة على ان لا سقف ابدا للعلم والحديث والحوار وان لا خط ولا خطوط حمراء بأستثناء طبعا جلالة الملك وما دون ذلك متاح للطالب النقد والبحث والتمحيص دون قيود.
اجزم ان تلك البيئة لاقت هوى في نفسي واتاحت للمتمرد في داخلي ان يظهر بوضوح ولعل مداخلتي امام السفير الأمريكي في عمان آنذاك والذي حل محاضرا في الكلية كانت اجرأ المداخلات والتي جعلت السفير يتلفت يمنة ويسرة بحثا عن مخرج وكانت تفنيدا للديموقراطية الامريكية التي نظر لها السفير في تلك المحاضرة .
في مساءات الكلية التي تطل من ناعور على اضواء القدس كان الكثير من البوح عن استراتيجية الجيش العربي وعقيدته القتالية ومصالح الدولة العليا وحين كانت النجوم والتيجان تتلألا على اكتاف رفاق الدراسة كنت احس بالطمأنينة والثقة وان الوطن ما زال بخير .
لست ادر لم من كل اصناف العسكرية في بلادي اهوى الجيش والعسكر فهم وحدهم المزروعون على كل حد وفي كل خندق ثمة عسكري ينتظر ويده على الزناد فيما تلوح الشمس خوذته وثمة الكثير من الأيثار في كل نفس عسكرية .
رياض باشا الجوازنة الرجل الخلوق المهني الباحث المتميز استراتيجيا وعسكريا وقبل هذا وذاك الخلوق مثل نسمة صيف تمر مداعبة جدائل مهرة لم تزل تنتظر خيالها …..شكرا اذ اعدتني فرحا الى ماض جميل لم يزل في خاطري يوم ان غادرنا الكلية وسط صمت وذهول متسائلين ونحن نودع بعضنا بعضا ….هل نلتقي مرة اخرى .
