الأحد, 25 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية

مع كل أزمة تواجهنا نكتشف أصالة «عشائرنا»

التزم الأردنيون الصمت، على مدى السنوات الماضية، وهم يتابعون العزف على أوتار ناشزة تدعو إلى تجاوز منطق العشيرة، ربما كانوا يعتقدون، آنذاك، أن المقصود هو إعادة الاعتبار لهيبة الدولة والقانون، أو الفصل بين السياسي والاجتماعي، لكنهم اكتشفوا أن وراء هذه الدعوات نوايا وأجندات تحاول أن تشطب هويتنا، وتمحو ذاكرتنا، وتحولنا إلى مجاميع من السكان، كما يريد أصحابها أن يستحوذوا على المناصب والامتيازات، ويحولوا البلد إلى شركة مساهمة، يديرونها كما يشاؤون، أو إلى دويلات داخل الدولة.
ثم تكررت هذه الدعوات، حتى كدنا نكتشف أن «أبطالها» ليسوا أكثر من «كومبارس» يعزفون وراء فرقة واحدة، ويستغلون أية حادثة لإلباسها بالعشيرة من زاوية التشكيك والقدح، وكأن تجريح عشائرنا أصبح «مائدة» يلتقي عليها أصحاب الأجندات الذين يعرفون «من أين تؤكل الكتف».
بوسع هؤلاء الذين حذرونا من الاعتماد على منطق العشيرة، وحرضونا على شيطنتها وإلغائها، أن يدلونا، اليوم، على شاهد واحد يقنعنا أن العشيرة قصرت بحق البلد، أو أساءت إليه (لا قدر الله)، أو أن البدائل التي طرحوها لملء فراغ العشيرة أسعفت الدولة في تجاوز مشكلاتنا وأزماتنا، نريد أن نسألهم: هل القرارات والسياسات المتوحشة التي قصمت ظهور الفقراء ووسّعت الفجوة بين الطبقات، ودفعت الشباب إلى الانتقام من أنفسهم، ومن مجتمعهم، جاءتنا على مركب العشيرة أم على مراكب أخرى غرقت في التنظير وأغرقتنا معها أيضا..؟
حين صدمتنا حادثة إحراق الشهيد معاذ الكساسبة (2015) وهو يقف شامخا أمام النيران التي أشعلها «الخوارج« في جسده النحيل، وبعدها حوادث استشهاد أبنائنا في الكرك والبقعة والركبان والفحيص والسلط..، على يد الإرهاب الغادر، تذكرنا «العشيرة»، آنذاك أفزعتنا الهواجس والمخاوف من ارتدادات الحدث على مجتمعنا، لكن بفضل منطق العشيرة الذي نشأت عليه الدولة ونهضت على أساسه، تبددت مخاوفنا، كما تحطمت على صخور إرادة «أبناء العشائر» المنغرسين كقرامي الزيتون في تربة الوطن أطماع المتربصين بنا، والمشككين بقدرتنا على تجاوز الأزمات والمحن.
مع كل أزمة تواجهنا أو نواجهها، نكتشف أصالة وبسالة «عشائرنا«، فنصحو على صرخة الضمير الذي لطالما حاول البعض إسكاتها باسم الليبرالية والإنتاجية، وكأن العشيرة هي التي أعاقت التنمية وأعادتنا للوراء، أو كأن هؤلاء النشامى الذين قدموا أرواحهم كرمى للوطن لا يستحقون أن يكون لهم – مثل غيرهم من أبناء الذوات – مقاعد في «قمرة» الخصخصة، أو على شرفات الناطقين باسم تحرير البلد من «الرعوية» والرجعية، وإعادته إلى رعاية «مقاولي» الحروب أو تجار النضالات المغشوشة.
حين تدقق في الأوضاع التي يراد لنا أن نصل إليها، وخاصة على صعيد الهوية والمكونات الاجتماعية، نكتشف أن المشكلة أعمق مما يبدو على السطح، يكفي هنا أن نسأل: ما هي الرواية التاريخية التي نقدمها لأبنائنا عن بلدنا؟ الإجابة -للأسف- موجودة ويمكن لمن أراد أن يعرفها التوجه إلى أي كتاب في التاريخ، أو التربية الوطنية التي ندرسها لطلبتنا في المدارس، وهي صادمة للأسف، لكن ما يصدمنا أكثر هو أننا نعاني من جدب تاريخي أعجزنا عن كتابة تاريخنا بالشكل المطلوب.
أشعر بالمرارة حين أسمع كلاماً مغشوشاً عن تاريخنا، ومزاعم لا أساس لها من الصحة عن دورنا ومواقفنا، ومحاولات لشيطنة عشائرنا، وأتساءل: لماذا؟ فيأتي الجواب: أنكم لم تحسنوا تقديم أنفسكم وتاريخكم للآخرين، وتركتم الفراغ ليملأه من هب ودب، لقد حاول غيركم أن يكتب تاريخكم ويملأ الفراغ الذي تركتم، وكان الأولى بكم أن تنهضوا وتكسروا حواجز الصمت، وأن لا تخشوا شيئاً.
ألا تستحق «العشيرة» في بلدنا أن تسترد اعتبارها، وتستعيد عافيتها ومكانتها التي انتزعها، على غفلة، بعض «العابرين» على أرصفة أوجاعنا، أليس من الواجب أن نصارح هؤلاء «العُزوة» الذين تعمدنا تهميشهم وتجريحهم ونقول لهم: أخطأنا بحقكم، نعتذر لكم، لن تجدوا منا إلا ما يسركم؟

×