كيف يفكر الأردنيون، وماذا حدث لهم؟
ينطوي هذا السؤال على دلالات مركبة تحتاج إلى دراسات عميقة، لكن هذا ليس مكانها بالطبع، أريد فقط أن أشير إلى مسألتين: الأولى: التحولات التي طرأت على الشخصية الأردنية، على مدى 100 عام، لم تكن مفاجئة، وإن كانت متصاعدة، فقد مرت هذه الشخصية بأطوار متعددة ومختلفة، لكنها حافظت نسبيا على سماتها الرئيسة، أما الآن (أقصد خلال السنوات المنصرفة) فقد كشفت عن نفسها، وربما “انفجرت” لدرجة لم نكن نتوقعها، ما نشاهده، مؤخرا، من تحولات بالتفكير والسلوك، ومن انبعاث للهوية الأردنية بشكل واضح وجسور، أقرب دليل على ذلك.
أما المسألة الثانية فتتعلق بـ”خزان” دراسة هذه الشخصية، وهو تاريخنا الأردني الذي لم نكتبه حتى الآن كما يجب، مما فوت علينا فرصة قراءة شخصيتنا الأردنية بصورة صحيحة، وأغرقنا بالتالي في محيط من التوقعات والهواجس، إن لم أقل الأخطاء أيضا.
لكي نعرف ما حدث للأردنيين، وما يمكن أن يحدث لمجتمعنا في المستقبل، نحتاج إلى فهم سمات الشخصية الأردنية وتحولاتها في العقود الماضية، هنا يمكن أن نرصد ثلاثة معايير قد تساعدنا على فك شيفرة هذه الشخصية، الأول: معيار التطور التاريخي لتشكل الهوية الأردنية، الثاني: الظروف والمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاكمة لنشوئها وتطورها، الثالث: التراث الأردني الشفوي والمكتوب بما يتضمنه من أمثال ولهجات ومصطلحات ونتاج فكري وأدبي وفني.
هذا، بالطبع يحتاج إلى بحث طويل، ومع ذلك فإن أبرز ما يميز الشخصية الأردنية أنها بسيطة ومعقدة في آن، متساهلة وصعبة معاً، بطيئة التحول وسريعة الألفة، مسالمة في طبيعتها، خجولة في التعبير عن نفسها، متصالحة مع غيرها، لديها مقاومة للترويض وشراسة في المواجهة ونزوع إلى الشدة حين تشعر بالتهديد، أو ينتابها الإحباط، غالباً ما تصغي إلى صوت وجدانها، وتنحاز إلى ضميرها، تواجه العواصف بهدوء، وتعاند دفاعاً عن وجودها وحقوقها، وتتجلد بالصبر على مشكلاتها.
الشخصية الأردنية تميل إلى التآنس، متجاورة ومتحاورة، تكره الفهلوة، وذات أبعاد أفقية مرئية ومفتوحة، مزاجها صوفي، ولها أمزجة متعددة ولكنها غامضة غالباً، لها أنفاس حارة ولكنها تنمّ عن دفء لا عن حرق، تهرب من المظاهر إلى الجوهر، ذات فراسة خارقة، حائرة ومرتبكة أحياناً، ولكنها تعرف ماذا تريد، حيرتها نوع من القلق الذي تفجره هواجس الخوف من القتامة أو السكون (المجهول)، سواء بفعل الجغرافيا أو بفعل السياسة، القلق الذي قد ينتج فاعلية أفضل للحركة نحو الأمام.
الشخصية الأردنية ضد الانعزالية وضد التجريح، متعالية لكنها ليست استعلائية، منفتحة غالبا لكنها غير قابلة للذوبان، منقبضة وحزينة أحيانا أخرى لكنها متصالحة مع الفرح المقنن، واقعية، تغلب عليها القسوة مع الذات، والسماحة مع الآخر، لا تألف السكون ولكنها قانعة، تبحث عن الجديد مع أنها تخشاه، متدينة، غير مجاملة، منضبطة وغير مغامرة، تخفي أكثر مما تظهر، تتقن المفاجأة، لها تضاريس مركبة يصعب تفكيك طبقاتها، وبلا أبعاد مكانية أيضا.
في الشخصية الأردنية ثمة قطاعات عديدة تتمازج أحياناً، وتتقاطع أحياناً أخرى: قطاع احترام البطل وتمجيده، قطاع الحلم المسكون بهواجس العقلانية، قطاع الكرامة المتجذر في الأعماق، قطاع التدين المتصالح أحياناً مع الواقع، قطاع الخصوصية المتماهية مع محيطها الإنساني والحضاري.. ولكل قطاع بصمة ما في هذه الشخصية. لغز يكمن فيها، قوة تحركها وتستفزها، سلوكيات مفهومة وغير مفهومة.
أخيراً، الشخصية الأردنية خصبة، جدية، متمرسة على سلوك الوعر، غير منقادة، واعية، متماسكة، ذات روح متعالية وحساسة، متحررة من مثبطاتها، ما تزال تتمتع بصحتها الانفعالية.. وتحافظ على قيمها العالية.
هل تتسم الشخصية الأردنية ببعض السلبيات؟ أكيد، ولكن هذا ليس مجالها.. هل تحتاج إلى تحليل أوسع؟ نعم، وهو في ذمة علماء الاجتماع والنفس –وما أكثرهم– في بلادنا.
هؤلاء الأردنيون “النشامى” وهذه شخصيتهم
رابط
مختصر:
