الجمعة, 23 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية

هندسة مستنقع الشك… الحسابات الوهمية أنموذجًا

جهاد مساعدة

ليست أخطر الأصوات على الوطن تلك التي تعلن خصومتها معه؛ فهذه مكشوفة الوجه والجهة والغاية. الأخطر تلك التي تدخل من باب الغيرة، وتخرج من نافذة التشكيك؛ ترفع راية الوطن بيد، وتغرس بذور الريبة باليد الأخرى. تتحدث عن الخوف عليه، لكنها تفعل عمليًا ما يريده خصومه: إضعاف الثقة، وتشويه الصورة، وتصوير الدولة كأنها تقف دائمًا على حافة الانهيار.

هذا الصنف لا يبدأ خطابه بالعداء، بل بالحرص. يلبس ثوب الغيرة حتى تبدو الإشاعة سؤالًا بريئًا، ويُقدَّم الطعن كأنه نصيحة، والهدم كأنه إصلاح. وهنا تكمن الخطورة؛ في خطاب لا يأتي بوجهه الحقيقي، بل يرتدي قناع الوطنية، ويضع على صدره أوسمة مستعارة، ثم يخرج ليحاضر في الشرف العام.

من يقرأ هذا الخطاب يكتشف أنه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن ثقب في جدار الطمأنينة. كل قرار عنده مؤامرة، وكل قانون فخ، وكل تعديل ارتباك، وكل اختلاف انهيار، وكل تصريح خدعة. لا يشرح المشهد، بل يلوّثه؛ ولا يترك للناس مساحة للفهم، بل يدفعهم إلى الارتياب.

هنا تظهر هندسة مستنقع الشك؛ صناعة لا تحتاج إلى حقيقة كاملة، بل إلى نصف جملة، وصورة مبتورة، وتعليق مسموم، وسؤال مصمم بعناية لا ليبحث عن جواب، بل ليترك أثر الخوف في النفوس. هذه الهندسة لا تريد مواطنًا واعيًا، بل جمهورًا مرتبكًا؛ ولا تريد نقاشًا عامًا، بل مستنقعًا تتكاثر فيه الروايات المشبوهة، وتطفو فوقه الأقلام المأزومة.

واللافت أن هذا النمط، وهو يدّعي الحرص، يلتقي في نتائجه مع ما تريده الدول المعادية وأدوات الحرب النفسية. فليس شرطًا أن يحمل صاحبه بطاقة عمل في وحدة معادية حتى يخدم سرديتها؛ يكفي أن يكرر منطقها، ويضخّم روايتها، ويحوّل كل نقاش داخلي إلى مادة للطعن بالدولة، وكل ملاحظة إلى مشهد انهيار، وكل خطأ إداري إلى فرصة للنيل من مؤسسات الوطن.

وهنا يظهر بعض الكتبة المضلِّلين؛ يهاجمون الوطن باسم الخوف عليه، ويبيعون التشكيك على أنه غيرة، وقد فرّط بعضهم في واجبه الأخلاقي حين جعل قلمه ممرًا لروايات الخصوم. لا يكتب دفاعًا عن الناس، بل يكتب ضد ثقتهم. ولا يبحث عن الإصلاح، بل عن فتحة صغيرة في جدار الوطن يدخل منها الشك.

هذه هي وظيفة التشكيك المنظم: أن تجعل المواطن لا يطمئن إلى مؤسسة، ولا يثق بقرار، ولا يصدق إعلامًا، ولا يقدّر إنجازًا. وإذا وصلت الشعوب إلى هذه الحالة، فقد ربحت الحرب النفسية نصف معركتها دون أن تطلق رصاصة واحدة. فالعداء الجديد لا يدخل دائمًا بالدبابة، بل قد يدخل من تعليق، أو حساب متخفٍّ، أو وسام مستعار، أو صاحب أوسمة يصرخ من الخارج، يظن نفسه صاحب مقام، وهو ليس إلا ارتدادًا باهتًا لغرفة معتمة.

وحدة 8200 وأشباهها لا تحتاج دائمًا إلى أدوات بملامح واضحة؛ تحتاج إلى بيئة قابلة للتسميم، وإلى أصوات تعيد إنتاج الشك بلغة محلية مألوفة، وإلى وجوه تدّعي الوطنية بينما تقوم عمليًا بالمهمة نفسها: تحطيم المعنويات، ونشر الريبة، وإظهار الدولة كأنها عاجزة أو محاصرة. قد يكون بعض هؤلاء أدوات واعية، وقد يكون بعضهم حمولة زائدة من الحقد والجهل، لكن النتيجة واحدة.

ومن الحسابات المتخفية من لا يحق له أن يعظ الناس في الشرف والنزاهة؛ إذ قد تدور حول بعضها شبهات أو ملفات أو سلوكيات منشورة تتصل بالإساءة إلى أبناء الوطن أو استغلال ثقة الناس، ثم يطل أصحابها كأنهم حراس الفضيلة وحملة مفاتيح الوطنية. وأي بؤس هذا حين يصبح من يفتقر إلى المصداقية واعظًا، ومن أساء للناس مدافعًا مزعومًا عن كرامتهم؟

والأشد غرابة أن بعض الأقلام اختارت أن تسلط الضوء على بعض تلك الحسابات، بل أن تمنحها مساحة من المديح والتلميع، وأن تروّج أحيانًا للدفاع عن أصحاب حسابات نُسبت إليها إساءات للوطن ولخصوصيات المواطنين وكرامتهم. وهنا لا تعود المشكلة في الحساب المتخفي وحده، بل في المنبر الذي يفتح له نافذة، وفي القلم الذي يجمّل صورته، وفي المساحة الإعلامية التي تحوّل الإساءة إلى بطولة زائفة.

أما الذين يتابعون هذه الأشكال، ويعيدون نشر جعجعتها، ويصفقون لوهمها، فهم يغرقون في مستنقع منشوراتها وهم لا يشعرون. يظنون أنهم يشاركون رأيًا، بينما يوسّعون دائرة التسميم. يظنون أنهم يتسلون، بينما يتحولون إلى وقود في نار الشك. وما أخطر أن يصبح المتابع حسن النية أداة مجانية في معركة لم يفهم من يديرها، ولا لمصلحة من تُخاض.

والرسالة إلى أبناء الوطن واضحة: ابتعدوا عن تلك الحسابات، ولا تمنحوها من وقتكم ولا ثقتكم ولا صفحاتكم ما يجعلها تكبر على حساب وعيكم. لا تجعلوا أيديكم جسرًا لعبور الإشاعة، ولا تجعلوا فضولكم وقودًا لمستنقع يريد أن يبتلع المجتمع. فكل متابعة عمياء، وكل مشاركة غير واعية، وكل تصفيق لمن يطعن الوطن باسم الغيرة، يمنح هذه الأشكال عمرًا أطول وصوتًا أعلى.

والأردن، الذي عبر العواصف، لا يخاف من مقالة، ولا من حساب متخفٍّ، ولا من وسام مستعار، ولا من جعجعة عابرة. لكنه يستحق أن يفرّق أبناؤه بين من ينتقد ليحمي، ومن يشكك ليهدم؛ بين من يضع يده على الجرح ليعالجه، ومن يغرس السكين فيه ثم يزعم أنه طبيب.

في النهاية، ليس كل من كتب كان صاحب رأي، وليس كل من صرخ كان غيورًا، وليس كل من علّق وسامًا على صورته صار أهلًا للكلام في مقام الوطن. بعضهم ليس أكثر من صاحب أوسمة مستعارة غارق في مستنقع الأقلام المأزومة؛ استهان بكرامته وهو يحاول النيل من كرامة الوطن، ثم عاد غارقًا في وحله، ظانًا أنها تمنحه هيبة، وأن التخفي يمكن أن يصنع من الوحل مقامًا.

هيهاتَ هيهاتَ لما يزعمون؛ فالوطن لا تهزّه جعجعة عابرة، ولا تنال منه أوسمة مستعارة، ولا يرفعه إلا صدق أبنائه. أما الوحل، فمهما ادّعى العلو، يبقى وحلًا؛ ومهما رفع صوته، لا يصنع مقامًا.

×