هلا أخبار – في ظل شح المياه وارتفاع درجات الحرارة وتزايد كلف الإنتاج، يبحث القطاع الزراعي الأردني عن أساليب تساعده على الاستمرار في الإنتاج مع استخدام كميات أقل من الموارد، لتبرز الزراعة المعمّرة المستدامة كأحد النماذج التي تقوم على إبقاء النباتات في الأرض لسنوات، وإدارة المياه والتربة والطاقة والمخلفات بكفاءة، بما يعزز قدرة المزرعة على مواجهة التغيرات المناخية ويحافظ على قدرتها الإنتاجية مستقبلا.
وقال مختصون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن نجاح هذا النموذج لا يعتمد على اختيار نباتات معمرة فحسب، وإنما على تصميم منظومة زراعية متكاملة تراعي طبيعة التربة والمناخ وتوفر المياه واحتياجات النبات، إلى جانب إدارة الإنتاج النباتي والحيواني والموارد المتاحة بطريقة تقلل الهدر وتحافظ على استدامة الأرض.
وقال الباحث في المركز الوطني للبحوث الزراعية المهندس مجدي العدوان، “لا يكفي أن يحقق النبات إنتاجا مرتفعا في الظروف المثالية؛ فالقيمة الحقيقية للنظام المعمّر تظهر في قدرته على المحافظة على أداء مستقر نسبيا تحت الظروف الفعلية للموقع” مضيفاً أنه كلما كان النبات أكثر توافقا مع بيئته، أمكن تقليل الضغوط على المياه والمدخلات، والحد من مخاطر تراجع الإنتاج .
وبين أنه ينبغي التعامل مع الزراعة المعمرة باعتبارها استثمارا طويل الأجل في الأرض، وليس قرارًا موسميًا، قائلاً ” فتكاليف التأسيس والري والتغذية والصيانة والطاقة والعمالة، إلى جانب الإنتاج المتوقع والمخاطر المناخية والسوقية، يجب أن تكون حاضرة منذ مرحلة التخطيط، لأن الخطأ في اختيار النظام قد يمتد أثره لسنوات” .
وقال المتخصص في الإنتاج النباتي من مديرية زراعة العاصمة المهندس يزيد الرقاد أن استدامة المزرعة تتطلب الانتقال من التعامل مع عناصرها بصورة منفصلة إلى النظر إليها كوحدة إنتاج متكاملة، تتفاعل فيها الأرض والمياه والمحاصيل والإنتاج الحيواني والمصادر العضوية والمخلفات ضمن دورة أكثر كفاءة للموارد .
وأشار إلى أن جزءًا من الاستدامة يكمن في قدرة المزرعة على تقليل الفاقد وإعادة توظيف الموارد المتاحة مصيفاً ” فالمخلفات الزراعية، عندما تُدار وتُعالج وفق أسس فنية سليمة، يمكن أن تتحول من عبء يحتاج إلى التخلص منه إلى مورد يمكن الاستفادة منه، بما يدعم إعادة تدوير المادة العضوية ويعزز كفاءة استخدام الموارد، مع ضرورة ضمان سلامة التربة والنبات والبيئة” .
وأضاف أن تنويع الأنشطة والمحاصيل يمكن أن يعزز مرونة النظام الزراعي عندما يقوم على التوافق في الاحتياجات المائية والغذائية ودورات الإنتاج والقيمة الاقتصادية، وليس على زيادة عدد المحاصيل بصورة عشوائية، الأمر الذي يتكامل مع الإدارة المتكاملة للآفات والأمراض، التي تبدأ بالمراقبة والتشخيص والوقاية، وتستخدم التدخل المناسب عند الحاجة، بما يحد من الخسائر ويحافظ على كفاءة المدخلات .
وقال “بذلك يصبح الإنتاج الزراعي من منظومة أوسع لا تقيس نجاحها بحجم المحصول فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج الغذاء، وتقليل الهدر، والاستفادة من الموارد، وحماية التربة، وتحقيق استقرار إنتاجي واقتصادي قابل للاستمرار “.
واوضحت المتخصصة في هندسة تكنولوجيا البيئة والتغيرات المناخية في الجامعة الأردنية المهندسة يندس الزعبي ، أن النظام الزراعي المستدام يحتاج إلى النظر إلى المياه والطاقة والتربة والمخلفات باعتبارها عناصر مترابطة، بحيث لا يؤدي تحسين أحدها إلى زيادة الضغط على عنصر آخر .
وأضافت أنه مع ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الهطول وتكرار فترات الجفاف، يصبح التكيف المناخي جزءًا من تصميم النظام الزراعي نفسه؛ يبدأ من اختيار النبات والموقع، ويمتد إلى إدارة المياه والطاقة والتربة والمخلفات، والاستفادة من الحلول الهندسية والتكنولوجية التي يمكن قياس أثرها وتطويرها .
وقال “لا تكمن قيمة التكنولوجيا في استخدامها لذاتها، وإنما في قدرتها على تحسين القرار الزراعي وتقليل استهلاك الموارد والفاقد، فالزراعة الذكية تصبح أكثر أهمية عندما تساعد المزارع على معرفة ما يحتاج إليه النبات ومتى يحتاج إليه، وتوفر بيانات تساعد في إدارة المياه والطاقة والمدخلات بصورة أكثر كفاءة” .
وأشارت إلى أن نقل الأفكار إلى الميدان يتطلّب تكاملًا بين وزارة الزراعة والمركز الوطني للبحوث الزراعية والجامعات والإرشاد الزراعي والقطاع الخاص، بحيث لا تبقى الابتكارات في نطاق البحث أو التجارب المحدودة، وإنما تخضع للاختبار الحقلي والتقييم الاقتصادي والبيئي، ثم تنقل الممارسات قابلة للتطبيق في ظروف محلية مختلفة .
وأوضحت أنه في الأردن، تصبح كل قطرة ماء وكل وحدة أرض موردًا لا يحتمل الهدر، فمستقبل الزراعة لا يحتاج إلى إنتاج أكثر فحسب، بل إلى إنتاج يحافظ على أساسه؛ زراعة تحقق الغذاء اليوم، دون أن تستهلك قدرة الأرض على إنتاجه غدًا .
