الخميس, 8 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية

ثلاث سنوات من العدوان.. اقتصاد الضفة الغربية مُثقل بالبطالة وتراجع الإنتاج

الضفة الغربية - أرشيفية

هلا أخبار – على مدار ثلاث سنوات من حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، وما رافقها من الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية، تمر الضفة اليوم بظرف اقتصادي هو الأسوأ منذ عقود، في ظل ارتفاع غير مسبوق في مستويات البطالة، وفقدان عشرات آلاف العمال مصادر رزقهم.

وبالتزامن مع ذلك، تواجه مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والتجارية والزراعية تراجعًا متواصلًا، تحت وطأة انتهاكات سلطات الاحتلال وتصاعد عنف المستعمرين، وتراجع مصادر دخل المواطنين، ما يعمق الأزمة المعيشية التي تطغى على المشهد العام للحياة في الضفة الغربية.

 

العمال.. واقع مرير

 

منذ ثلاثة أعوام، فقد العامل باسم ياسين، من شمال الضفة الغربية، عمله في أراضي عام 1948، كحال آلاف العمال الفلسطينيين، مع بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، ومنذ ذلك الحين يواجه واقعًا اقتصاديًا صعبًا ومستقبلًا مجهولًا.

يقول ياسين لـ”وفا” إنه يكابد يوميًا لتأمين لقمة العيش لأبنائه، دون أن يتمكن من الحصول على فرصة عمل ثابتة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في الضفة الغربية.

ولجأ ياسين، منذ فقدان عمله، إلى القطاع الزراعي في الأغوار، إلا أن عمله متقطع، ولا يتمكن من العمل سوى أيام معدودة بين حين وآخر، نتيجة تراجع القطاع الزراعي، والإغلاقات المتكررة للحواجز التي تعيق وصول العمال إلى أماكن عملهم.

ويضيف: “منذ ثلاث سنوات بالكاد أؤمّن بين الحين والآخر مبلغًا بسيطًا من المال لشراء بعض الاحتياجات والمستلزمات الأساسية لأسرتي، التي أصبح تأمينها صنفًا من صنوف العذاب اليومي”.

وتعكس حالة ياسين واقع عشرات آلاف العمال من الضفة الغربية الذين فقدوا عملهم في أراضي عام  1948، ويواجهون صعوبة في إيجاد بدائل، بالتزامن مع تراجع معظم قطاعات الاقتصاد وتصاعد قيود الاحتلال وانتهاكاته في الضفة الغربية.

ووفقًا لبيانات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين الصادرة مطلع تموز الماضي، فقد ارتفع عدد العاطلين عن العمل في فلسطين خلال ألف يوم من العدوان على قطاع غزة إلى نحو 570 ألفًا من أصل 1.4 مليون ضمن القوى العاملة، فيما تجاوزت الخسائر الاقتصادية للعمال 10 مليارات دولار، وقُدّرت الخسائر الشهرية بنحو 1.35 مليار شيقل.

وأشار الاتحاد إلى أن 52 عاملًا فلسطينيًا قُتلوا أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم أو خلال عملهم، فيما سُجلت أكثر من 38 ألف حالة اعتقال لعمال فلسطينيين خلال الفترة ذاتها.

وبحسب بيانات الاتحاد، فقد بلغت البطالة 80% في قطاع غزة و38% في الضفة الغربية، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع فرص العمل.

 

الاقتصاد.. خسائر تتجاوز العمال

 

ولا تقتصر الخسائر الاقتصادية المتفاقمة في الضفة الغربية على قطاع العمال، بل تمتد إلى القطاعات التجارية والخدماتية والصناعية والزراعية.

في هذا السياق، يؤكد رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية عبده إدريس أن الوضع الاقتصادي في الضفة خلال السنوات الثلاث الأخيرة هو الأسوأ، مشيرًا إلى أن فقدان عمال أراضي 1948 مصادر رزقهم منذ بداية الحرب حرم أسواق الضفة من نحو مليار ونصف المليار شيقل شهريًا، كان هؤلاء العمال يضخونها في الاقتصاد المحلي.

ويضيف أن استمرار احتجاز سلطات الاحتلال عائدات الضرائب الفلسطينية (المقاصة) منذ سنوات، ألقى أيضًا بظلاله الصعبة على الاقتصاد الفلسطيني، وخاصة مع تبعاته المتمثلة في أزمة رواتب الموظفين العموميين وتراجع قدرتهم الشرائية، كما راكم مستحقات القطاع الخاص على الحكومة وأثر في السيولة المتاحة للمؤسسات.

كما أسهمت إغلاقات الحواجز والبوابات في تعميق الأزمة، إذ تعيق سلطات الاحتلال عبرها حركة المواطنين والعمال والنقل التجاري، ونتيجة لذلك ارتفعت تكلفة النقل بنسبة 20%، بحسب إدريس.

ووفقًا لمسح ميداني أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في كانون الأول/ ديسمبر 2025، فقد بلغ عدد عوائق الحركة في الضفة 925 عائقًا، بزيادة 43% عن المتوسط السنوي خلال العقدين السابقين.

وتطال تداعيات الإغلاقات كذلك الحركة التجارية مع الأردن وأراضي عام 1948، إلى جانب تأثير عمليات هدم المنشآت التجارية والاقتصادية والزراعية واعتداءات المستعمرين، التي ألحقت خسائر كبيرة، ولا سيما بالقطاع الزراعي.

وبحسب إدريس، يواجه التجار وأصحاب المنشآت الصناعية والزراعية تزايدًا في التعثر المالي وعدم القدرة على الوفاء بالتزاماتهم، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة تهدد مصادر الرزق وتعمق هشاشة الاقتصاد الفلسطيني.

 

الزراعة.. القطاع الأكثر تضررًا

 

أما القطاع الزراعي، باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد الفلسطيني، فيعد من أكثر القطاعات تضررًا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية واعتداءات المستعمرين.

وتعقيبًا على ذلك، يشير مدير دائرة زراعة الأغوار الشمالية عمر صوافطة إلى أن الزراعة تشكل رافدًا أساسيًا لاقتصاد الضفة، إلا أنها تعرضت خلال السنوات الثلاث الأخيرة لخسائر متزايدة، بفعل صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، وإخراج منتجاتهم إلى الأسواق، إلى جانب استيلاء سلطات الاحتلال على الأراضي وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة أو لصالح المشاريع الاستعمارية.

كما أن عمليات الهدم المتصاعدة التي تنفذها سلطات الاحتلال، والتي طالت أعدادًا كبيرة من المنشآت الزراعية، بينها الدفيئات والآبار، فاقمت تراجع القطاع الزراعي، إلى جانب تجريف الأراضي وقطع شبكات المياه، ما أدى إلى تراجع المساحات المستغلة زراعيًا.

وأشار إلى أن سهل البقيعة جنوب شرق طوباس يعد أحد أهم الأمثلة على حجم استهداف الاحتلال للقطاع الزراعي، حيث تعمل سلطات الاحتلال منذ مطلع العام الجاري على تجريف مساحات واسعة في منطقة عاطوف وسهل البقيعة، في إطار المشروع الاستعماري “الخيط القرمزي”، الذي يهدف إلى شق طريق عسكري وإقامة جدار فاصل على أراضي طوباس والأغوار الشمالية.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات لدى المجلس القروي في عاطوف إلى أنه نتيجة عمليات التجريف وتقطيع خطوط المياه التي تنفذها سلطات الاحتلال في المنطقة، تعرضت محاصيل 30 ألف دونم من السهل للجفاف والتلف، وهو ما يعادل ثلث مساحة السهل البالغة 96 ألف دونم.

كما أكد صوافطة أن استهداف القطاع الزراعي لا يقتصر على الإجراءات التي تنفذها سلطات الاحتلال، وإنما يشمل أيضًا ممارسات المستعمرين الذين يعملون على إتلاف المحاصيل الزراعية، ولا سيما المحاصيل الحقلية، مبينًا أن قرابة 20 ألف دونم من الأراضي الزراعية في الأغوار الشمالية تعرضت خلال العامين الماضيين للإتلاف على يد المستعمرين، من خلال إطلاق مواشيهم فيها.

وفضلًا عن ذلك، يعمد المستعمرون إلى إقامة بؤر استعمارية رعوية في محيط المناطق الزراعية، وفقًا لصوافطة، ويمنعون المزارعين من الوصول إليها واستغلالها، كما حدث في سهل قاعون التابع لقرية بردلة، حيث أقام المستعمرون منذ حوالي ثلاثة أعوام بؤرة استعمارية على مقربة منه، ومنذ ذلك الوقت مُنع المزارعون من استغلال السهل وزراعته.

 

الثروة الحيوانية.. أكثر من نصف الثروة مهدد

 

وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية، أوضح صوافطة أن هذا القطاع تعرض لخسائر فادحة نتيجة التهجير القسري المتصاعد لتجمعات الأغوار ومضاربها، بفعل عنف المستعمرين المدعوم من قوات الاحتلال.

وبحسب معطيات المجلس القروي في المالح والمضارب البدوية، فقد كانت الأغوار الشمالية تضم 20 تجمعًا بدويًا ورعويًا، هُجّر 8 منها كليًا أو جزئيًا نتيجة تصاعد عنف المستعمرين.

وأشار إلى أن انتهاكات الاحتلال والمستعمرين أدت إلى فقدان منطقة الأغوار الشمالية أكثر من 40% من إنتاجها الزراعي على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، كما تراجعت أعداد الثروة الحيوانية خلال السنوات الثلاث الأخيرة فيها، فانخفضت الأغنام من نحو 30 ألف رأس إلى 17 ألفًا، والأبقار من نحو ألفي رأس إلى 500، ما يعني فقدان أكثر من نصف الثروة الحيوانية في المنطقة.

وأوضح أن الأغوار الشمالية كانت تعاني تراجعًا تراكميًا في مقوماتها الزراعية بشقيها الحيواني والنباتي على مدى عقود، بفعل استهداف سلطات الاحتلال، إلا أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت خسائر غير مسبوقة، ما يهدد قطاعا أساسيا لاقتصاد المنطقة التي تعد سلة غذاء فلسطين.

 

الاستعمار والهدم.. ضرب مقومات الاقتصاد

 

وتُظهر بيانات حديثة صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجم الخسائر التي طالت مقومات الاقتصاد الفلسطيني خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، بالتزامن مع التوسع الاستعماري.

وبحسب الهيئة، فقد شهدت الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إقامة 211 بؤرة استعمارية جديدة، والاستيلاء على نحو 64 ألف دونم من الأراضي.

كما وثقت الهيئة 1,814 عملية هدم طالت 5,059 منشأة، بينها منشآت سكنية وزراعية واقتصادية، ما ألحق خسائر مباشرة بالممتلكات ومقومات الإنتاج.

وفي القطاع الزراعي، رصدت الهيئة اعتداءات طالت نحو 147 ألف شجرة، بينها قرابة 100 ألف شجرة زيتون، بالاقتلاع والتجريف والحرق والتخريب، ما ألحق خسائر بالمزارعين وأضر بمصادر دخل الأسر التي تعتمد على الزراعة.

 

وفا

×