مؤشرات مقلقة!

هلا أخبار - لم يكن إتمام الدراسة – بالنسبة لنا في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية- أمراً هيّناً، بل ثمة جهد كبير وعناء متواصل بُذل لشهور طويلة من العمل الميداني والبحثي والتعامل مع آلاف الأوراق ومئات صفحات التواصل الاجتماعي وعشرات الزيارات الميدانية والتنقيب في الصحف والأرشيف لدراسة البيئة الاجتماعية والثقافية التي أنتجت حالتي التطرف والإرهاب، ودفعت بنسبة من الشباب الأردني إلى هذه الطريق المؤلمة.
الكتاب قمت بتأليفه بالاشتراك مع الصديق والزميل د. موسى شتيوي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وساهم في إنجازه فريق عمل من المركز والمساعدين والأصدقاء والمتطوعين، يقدّم جملة نتائج لا تتسم بالانطباعية، أو مجرد أرائنا الشخصية. وإنما هي فرضيات عملية وبحث ميداني وتحليل موضوعي، مع ذلك فهي قابلة للنقاش والحوار، بل من الضروري أن تخضع لهذه القراءات النقدية والعلمية وأن تكون محور نقاش بين النخب والسياسيين، لأنّها تمسّ ظاهرة خطيرة ومهمة أشغلت وشاغلت اهتمام الدولة والمؤسسات والرأي العام خلال الأعوام الماضية، وهي ظاهرة التطرف والإرهاب.
لا نريد أن نستبق إعلان الكتاب، لكن المعطيات والمؤشرات المطروحة مقلقة وتتطلب إعادة نظر وتركيز جديد من قبل المسؤولين والمؤسسات المعنية وتقييم المقاربات الحالية مرّة أخرى في مجال مكافحة التطرف والإرهاب.
بعض هذه النتائج مرتبطة بتحوّل الإنماط، للمنتمين لهذا الفكر (السلفي الجهادي) من الفردية الذكورية التي كانت سائدة خلال العقود السابقة إلى النمط العائلي والشبكي، بمعنى لم يعد الأمر مقتصراً على أفراد ذكور يغادرون إلى ساحات القتال، بل أصبحنا أمام أجيال ممن ينتمون لهذا الفكر، فتجد في حالات كثيرة الأب والأبناء، والأشقاء والشقيقات وعلاقات المصاهرة، ما أنتج حالات جديدة من "الأحداث" المتأثرين بهذا الفكر والنساء المتأثرات به، ورصدنا تكوّن "العائلة المتطرفة".
المعالجة الأمنية ضرورية ومهمة، ومنعت كثيراً من الكوارث، لكنّها لا تكفي، لأنّ الدلائل أنّ هذا التيار في ازدياد وتمدد أفقي وعمودي، ويأكل من الطبقة المثقفة والمتعلمة ومن الأجيال المختلفة، ويتجذّر اجتماعياً، ما يعني أنّ هنالك مشكلة في المقاربة المدنية الموازية للأمنية، وهي ما تزال غائبة، بالرغم من الكم الكبير من المؤتمرات والندوات والأبحاث والقوانين والتشريعات والأموال المنفقة!
لماذا؟ لأنّ أغلب هذه الجهود المدنية والدينية والسياسية كانت أقرب إلى تغميس خارج الصحن، لم تُبن على دراسات ميدانية وواقعية، لم تنزل إلى المجتمع وتشتبك مع البيانات الحقيقية وتستقصي البيئة المحيطة وتقابل الأطراف المعنية، ولأنّ الدولة أرادت احتكار هذ الملف – في السابق- وكأنّه مجرد ظاهرة أمنية، بينما الصحيح أنّه ظاهرة اجتماعية وثقافية تتطلب جهوداً متكاملة ومتوازية ومراجعات نقدية لسياسات الدولة.
بالرغم من كل ذلك ما يزال هنالك غموض مقصود ومتعمّد من قبل الدولة في تقديم الأرقام الحقيقية لحجم الظاهرة، وتخبط ما بين تضخيمها فترة من الزمن وإنكارها وتقزيمها تارةً أخرى، مع أنّ الأسلوب الصحيح هو الاعتراف بها وتشخيصها ودراسة خصائصها الاجتماعية والثقافية وشروطها، ثم التعامل معها.
هنالك توصيات عديدة – بالضرورة- في نهاية الكتاب (الذي سنطلقه في ندوة مساء اليوم بعنوان "سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن: دراسة ميدانية وتحليلية"، وبمشاركة وزير الشؤون السياسية موسى المعايطة)، من بينها الاهتمام بسؤال "العائدين من السجون" (بينما أغلب الدول الأوروبية مهتمة بالعائدين من الخارج)، أي أبناء هذا التيار، الذين ما يزالون في السجون أو كانوا فيها، في تبني مقاربات مختلفة في التعامل معهم، بخاصة أن الدراسة أثبتت بأنّ أغلبهم يبقى على الفكر نفسه!

آخر الأخبار

حول العالم