الخميس, 5 نوفمبر 2026
مساحة إعلانية

هزيمة الجمهوريين ..«فتّش عن إسرائيل»!

عوني الداوود

– معظم استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتوقع فوز الديمقراطيين بعدّة مقاعد، وتراجع الجمهوريين بعدد من المقاعد.. لكنّ أحدًا لم يتوقع هذا الانتصار «الكاسح» للديمقراطيين، وهذه الهزيمة النكراء للجمهوريين، لدرجة أن النصر الديمقراطي يُنظر إليه كثالث سابقة تاريخية يتمكن فيها أحد الحزبين الرئيسيين من الفوز بمجلسَي الشيوخ والنواب مرّة واحدة في الانتخابات النصفية نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

– منذ بدء إعلان النتائج النهائية، أخذت التحليلات والكتابات والتعليقات بشرح أسباب انتصار الديمقراطيين، وهزيمة الجمهوريين، مذكّرين بأنّ معظم استطلاعات الرأي الأمريكية، ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، أشارت إلى أن قطاعًا عريضًا من الشعب الأمريكي لا ينظر إلى تلك الحرب باعتبارها حربًا تفرضها ضرورات الأمن القومي الأمريكي، بل حربًا اختار الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي خوضها بمحض رغبتهما الشخصية.

لذلك، ورغم كل التحليلات التي نُشرت -والتي لم تُنشر بعد- ففي هذه الانتخابات النصفية إذا أردنا البحث عن أسباب هزيمة الجمهوريين الحقيقية، علينا أن «نفتّش عن إسرائيل» أولًا! – وهذا ليس مجرد رأي شخصي، بل إنّ البراهين تؤكد ما يلي:

1 – أولًا، ربما تكون هذه هي الانتخابات النصفية الفريدة من نوعها التي يتّخذ الناخب الأمريكي قراره بسبب ملفات خارجية، وليست داخلية فقط، بل كان الاعتراض الرئيس على السياسات الخارجية، وتحديدًا الحرب على إيران والآثار الاقتصادية الناجمة عنها -ولا زالت- والتي أثّرت مباشرة على معيشة المواطن الأمريكي من حيث:

أ)- أن الأمريكيين يستشعرون الآثار السلبية المباشرة لتلك الحرب في أسعار الوقود، التي ارتفعت إلى نحو 50% مقارنة بأسعارها قبل نشوب الحرب.

ب)- الأمريكيون يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على سياراتهم الخاصة في التنقل والوصول إلى أماكن عملهم في كثير من المدن الأمريكية.

ج)- لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الوقود على تنقلات الأفراد، بل يمتد للقطاع الزراعي، حيث تعتمد المزارع الضخمة على الوقود والأسمدة في عمليات الإنتاج، وهذا سبب مهم من أسباب هزيمة الجمهوريين في أوساط الريف الأمريكي.

2 – انتقادات خوض الحروب (بدلًا من إنهائها كما وعد الرئيس ترامب)، وتحديدًا على غزة وعلى إيران (ودور إسرائيل المحوري بجرّ الولايات المتحدة لخوضهما)، يرى مراقبون أنها ساهمت كثيرًا بفوز كثير من المرشحين الديمقراطيين ممن استثمروا الانعكاسات السلبية الاقتصادية وتأثيرها المباشر على معيشة المواطن الأمريكي.. ومن الدلائل على ذلك:

أ)- الفوز التاريخي الكاسح للمرشح عبدول السيد (عبد الرحمن محمد السيد)، ابن المهاجرين المصريين، وتحقيقه أحد أبرز انتصارات الديمقراطيين بفوزه بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يُنتخب لهذا المجلس في تاريخ الولايات المتحدة.. خصوصًا وأنّ عبدول السيد ركّز في حملته الانتخابية على الرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية وانتقد خلالها الدعم الأمريكي لإسرائيل والحرب في غزة، ولطالما صرّح بأن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تُستخدم من قِبل حكومة أجنبية لتمويل «الإبادة الجماعية» في قطاع غزة، وأنّ هناك مشكلة خطيرة بتقديم المساعدات العسكرية الخارجية على حساب الملفات الداخلية الملحّة، وهذا الملف تحديدًا (المساعدات الخارجية) دفع بالرئيس ترامب للإعلان صبيحة يوم الانتخابات عن وقف دفع المساعدات لإسرائيل بنهاية العام.

ب)- في نيوجيرسي، فاز آدم حموي، بعضوية مجلس النواب، ليصبح أول مسلم وأول أمريكي من أصل عربي يمثل الولاية في الكونغرس الأمريكي، وهو جرّاح تجميل مصري وضابط سابق في الجيش الأمريكي خدم في العراق، واكتسب شهرة وطنية بعد مشاركته في بعثات طبية داخل غزة خلال الحرب. وقد جعل من تجربته الإنسانية في القطاع محورًا أساسيًا في حملته الانتخابية، كما دعا لوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل وانتقد الحرب على إيران.

ج)- دارياليزا أفيلا شوفالييه، الفائزة بمقعد الدائرة الثالثة عشرة في نيويورك، تشير سيرتها السياسية إلى أن تجربتها في الضفة الغربية وحراكها الطلابي المؤيد للفلسطينيين لعبا دورًا رئيسيًا في تشكيل مواقفها السياسية.

*باختصار:

1 – الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات التكميلية هو نتنياهو الذي خسر استمرار قدرة الجمهوريين على تقديم الدعم المطلق له، خصوصًا بعد أن كان قد خسر الديمقراطيين بسبب إدارة ظهره لهم في السنوات الماضية، ورهانه الأوحد على ترامب، لتضاف هذه الخسارة إلى تراجع حظوظه بتشكيل حكومة إسرائيلية بعد نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.

2 – النتائج تظهر أنّ صورة إسرائيل «المدللة»، ذات الحصانة عند الأمريكيين لم تعد كذلك، بل إن غزة وحروب الإقليم قلبت تعاطف الشارع الأمريكي.

3 – نتائج الانتخابات سيكون لها أثر كبير في الداخل الأمريكي والعالم وعلى منطقتنا بالتأكيد، في مرحلة سيكون فيها سيد البيت الأبيض -ورغم تمتعه بـ «الفيتو» على القرارات، قد دخل مرحلة «البطّة العرجاء»، ولن يقدر على المضي قدمًا بتقديم الدعم المطلق لإسرائيل كما كان في السنتين الماضيتين.

×