هلا أخبار – أكد جلالة الملك عبدالله الثاني أن العالم يعيش لحظة استثنائية في التاريخ، في ظل حجم غير مسبوق من المعرفة وتسارع متواصل في وتيرة التغيير، مشدداً على أن الانتباه لم يعد مجرد مورد معرفي، وإنما أصبح مورداً جيوسياسياً يحدد القضايا التي تحظى بالجهود الدبلوماسية المستدامة، وتلك التي تتراجع إلى هامش جدول الأعمال.
وقال جلالته، في كلمته أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الثلاثاء، إن ما يختار العالم أن يمنحه اهتمامه يحدد ما إذا كان وقف إطلاق النار في مكان ما سيستمر بعد رحيل عدسة الكاميرا، وما إذا كانت المعاناة الإنسانية ستظل مرفوضة أم تتحول مع الوقت إلى أمر مألوف، وما إذا كان العالم سيتحرك لوقف أزمة ما أم سيدير ظهره ويمضي.
وأشار جلالته إلى أن كل يوم يحمل أزمة جديدة ومأساة جديدة وحالة طوارئ جديدة تستدعي انتباه العالم، مؤكداً أن اختيار ما يمنحه المجتمع الدولي اهتمامه أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وشدد الملك على ضرورة أن يواجه العالم حقيقة ما يحدث، محذراً من أن عدم تعبير الكلمات عن فداحة الأفعال يجعل غير المقبول مألوفاً.
وفي هذا السياق، أكد جلالته أن المساءلة تبدأ بتسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، مشيراً إلى ما وصفه بأنه محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة.
وتساءل جلالته بشأن استمرار أحد أطول فترات الاحتلال في العالم، قائلاً: إذا كان من الممكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا تبقى من قيمته؟ وكيف يمكننا تطبيقه إن لم نعترف حتى بانتهاكاته؟.
ولفت إلى أنه لطالما حذر، على مدى عقود، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل، إلا أن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع بدلاً من التصدي لحله.
وقال جلالته إن كل انتهاك إسرائيلي جديد يعامل على أنه أمر مؤقت، بما يصرف الانتباه عن الواقع الذي يتم فرضه تدريجياً على الأرض، حتى أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجا.
الملك: ما يحدث في الضفة الغربية سياسة تهدف إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم
وحذر جلالة الملك من أن ما يحدث حالياً في أنحاء الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل مجموعة من الممارسات المترابطة التي تشكل جزءاً من سياسة واحدة تهدف إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه.
وقال إن هناك مصطلحاً واضحاً لوصف هذه السياسة، وهو «التهجير القسري»، مؤكداً أنه جريمة حرب.
وجدد جلالته التأكيد على أن استمرار تجاهل ما يجري يساهم في جعل الممارسات غير المقبولة أمراً مألوفاً، داعياً إلى مساءلة تقوم على توصيف الأفعال كما هي.
الملك يحذر من التداعيات الإقليمية للتصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا
وفي الشأن السوري، تساءل جلالة الملك عما إذا كان المجتمع الدولي سيدع إسرائيل تستمر في نهجها في جنوب سوريا دون أن يحرك ساكناً.
وأكد أن موقف الأردن واضح، وأن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي يمثل تهديداً للأمن الوطني الأردني.
وقال جلالته: لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا.
وحذر من أن ما وصفه بالأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية بات يشكل تهديداً إقليمياً، معتبراً أن سوريا تمثل اليوم إنذاراً يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباهاً.
وأشار جلالته إلى وجود توغلات متكررة وتوسع جغرافي وفرض لحقائق جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يمس مصادر مائية حيوية.
الأردن متمسك بالسلام ودعم صمود الفلسطينيين والأونروا
وأكد جلالة الملك أن الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه، وقال إن المملكة وفيّة لمبادئها، وملتزمة بمواقفها، ومستعدة للحوار مع الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام.
وأوضح أن الأردن يسعى إلى بناء نموذج مختلف يستند إلى القيم والمبادئ، ويتسم بالانفتاح والثبات، في وقت يندر فيه اليقين وتتبدل فيه الحسابات السياسية من يوم إلى آخر.
وجدد جلالته التأكيد على أن الأردن لن يتخلى عن التزامه بالسلام العادل، وسيواصل دعم الصمود الفلسطيني ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.
كما أكد استمرار الأردن في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وأشار جلالته إلى أن الأردن يحمي المجتمعات المسيحية وإرثها في موطنها الأصلي والتاريخي، بالتوازي مع الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة أصوات الكراهية.
الملك: الأردن يتصدى للإرهاب ويطور قدراته الدفاعية
وأكد جلالته أن الأردن يتصدى للإرهاب في المنطقة وخارجها، بالتوازي مع تطوير قدراته الدفاعية، ليبقى في مواجهة تهديدات، من بينها تهريب المخدرات.
وقال إن الأردن يدرك طبيعة المنطقة التي تبدأ فيها أزمة قبل أن تنتهي سابقتها، مشيراً إلى أن المملكة لا تستطيع الاختيار بين الاستجابة للأزمات الطارئة وبناء المستقبل، ولذلك تمضي في المسارين معاً.
الملك: القوة العسكرية لا تقدم حلولاً فاعلة للأزمات
وأكد جلالة الملك أن القوة العسكرية لا يمكن أن تقدم حلولاً فاعلة للأزمات، فهي لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام، كما أنها لا تستطيع إصلاح كوكب الأرض أو إدارة موجات الهجرة أو قيادة التطور التكنولوجي.
وشدد على ضرورة ثبات المبادئ، قائلاً إن المبادئ لا يمكن أن تتغير مع تغير انتباه العالم.
وأكد أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا يعلو على التزامه بالقيم الإنسانية، ولا ينبغي اعتباره أمراً مسلماً به أو إساءة تقديره على أنه ضعف.
وفي ختام كلمته، أعاد جلالة الملك التأكيد على مكانة الأردن ودوره، قائلاً إن الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه، وفيّ لمبادئه، ملتزم بمواقفه، ومستعد للحوار والعمل مع كل من يسعى إلى السلام.
