هلا أخبار – تشهد أوروبا ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يزيد على ضعف المتوسط العالمي، ولم تعد موجات الحر أحداثاً استثنائية عابرة، بل أصبحت أزمات متكررة، تزداد تواتراً وقوة وطولاً، وكل صيف لا تستعد له أوروبا هو صيف تدفع ثمنه بالأرواح.
ففي جميع أنحاء أوروبا حالياً يعاني الناس من الأرق، وغرف الطوارئ مكتظة وتسجل خدمات الإسعاف أرقاماً قياسية. في فرنسا ارتفعت المكالمات الطبية الطارئة بنسبة تصل إلى 50 في المئة في بعض المدن. وفي لندن شهد الأسبوع الماضي أعلى عدد من المكالمات الطارئة التي تهدد الحياة، والتي سجلتها خدمة الإسعاف في يوم واحد على الإطلاق، كذلك قدر نظام مراقبة الوفيات في إسبانيا بالفعل أكثر من 300 حالة وفاة زائدة مرتبطة بالحرارة في غضون أيام قليلة فحسب، وسجلت إيطاليا خمس وفيات في غضون 24 ساعة.
تظهر عديد من الدول والمدن نماذج للاستعداد لمواجهة تقلبات الطقس، فقد وسعت برشلونة شبكة ملاجئها المناخية لتشمل أكثر من 500 موقع هذا الصيف، من بينها المكتبات والمراكز المدنية والحدائق والصيدليات. وفعلت باريس سجل التحقق من الرعاية الاجتماعية لكبار السن والسكان الأكثر عرضة للخطر، وفرضت قيوداً على بيع الكحول في الأماكن العامة لتخفيف الضغط على خدمات الطوارئ. كذلك فرضت إيطاليا قيوداً على العمل في الهواء الطلق خلال ساعات ذروة الحر في بعض المناطق، مع توفير برامج إجازة مدفوعة الأجر لضمان عدم فقدان العمال لدخلهم. وعن هذا تقول منظمة الصحة العالمية إن هذه مجرد أمثلة قليلة على تدخلات عملية قابلة للتطبيق على نطاق واسع، وينبغي أن يكون لكل مدينة في أوروبا نموذج مماثل.
وتطمئن المنظمة الأوروبيين بالقول “إن الوقاية تخفف من هذه الموجات”، فهي تذكر أن الوفيات المرتبطة بالحرارة في أوروبا عام 2023 كانت سترتفع بنحو 80 في المئة لولا تدابير التكيف المطبقة حالياً. فخطط العمل الصحية المتعلقة بالحرارة، والإنذارات المبكرة وأماكن التبريد والتواصل مع الفئات الأكثر عرضة للخطر، ليست برأي المنظمة، “إجراءات بيروقراطية، بل هي تنقذ الأرواح الآن، ونحن في حاجة إلى المزيد منها في جميع أنحاء الإقليم الأوروبي”.
وعليه فقد أصدرت الهيئات الصحية عدداً من التوصيات للحفاظ على برودة الجسم وتقليل خطر الإصابة بالإجهاد الحراري والأمراض الأخرى المرتبطة بالحرارة. فأوصت “اليونيسيف” بالحفاظ على برودة المنزل من طريق إغلاق الستائر نهاراً وفتح النوافذ ليلاً، واستخدام المراوح وأجهزة التبريد إن توفرت. ونصحت منظمة الصحة العالمية باستخدام المراوح الكهربائية فقط عندما تكون درجة الحرارة أقل من 40 درجة مئوية (104 فهرنهايت)، فعند تجاوز هذه الدرجة، تعمل المراوح على تدوير الهواء الساخن.
كذلك نصح خبراء “اليونيسيف” بتجنب الخروج في أوقات ذروة الحرارة، خصوصاً لممارسة الرياضة، والخروج بدلاً من ذلك في وقت مبكر أو متأخر من اليوم عندما يكون الجو ألطف. أما عند الخروج، فنصح الخبراء بالبقاء في الظل أو استخدام القبعات والمظلات، إضافة إلى وضع واقي الشمس أو ارتداء ملابس واقية من الأشعة فوق البنفسجية، وكذلك نصحوا باختيار ملابس خفيفة وفضفاضة، مثل القطن أو الكتان أو أي قماش آخر يسمح بمرور الهواء، إضافة إلى ذلك أوصى الخبراء بأخذ القيلولة.
تتألف القيلولة من استراحة منتصف النهار التي تتضمن عادة وجبة دسمة وقيلولة، وهي شائعة في دول حوض المتوسط عموماً، ومنها دول جنوب أوروبا مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا، إذ كانت القيلولة تعد طقساً مقدساً في الماضي، لكن العصر الحديث شهد تراجعاً في هذه العادة. وعنها يقول سيمون كويلتي، الطبيب والباحث في الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبرا، “القيلولة عادة قديمة قدم البشرية، ويمكننا أن نرى عديداً من الكائنات الحية الأخرى تتصرف بحكمة في ظل الطقس الحار”. وكويلتي المؤلف الرئيس لدراسة تتناول الاستجابات الثقافية للحرارة الشديدة، أشار إلى أن القيلولة واجهت معارضة في الأعوام الأخيرة، لا سيما عام 2016 عندما اقترح رئيس الوزراء الإسباني حظر هذه الممارسة.
وتطورت كلمة “siesta” من العبارة اللاتينية sexta hora والتي تعني الساعة السادسة بعد الفجر، وهو الوقت الذي تكون فيه الشمس عالية ويكون من الأفضل أخذ استراحة من الحرارة الشديدة مع وجبة دسمة وقيلولة. ويرى بعض المتخصصين أن لتغير المناخ دوراً رئيساً في صيف 2023 الذي سجل رقماً قياسياً كأكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق. فحتى الأماكن التي لم تكن معتادة على أخذ استراحة منتصف النهار، باتت تتجه نحوها بعد موجة الحر الشديدة. ففي ألمانيا، الدولة المعروفة بكفاءتها العالية، اقترحت إحدى منظمات الصحة العامة أن يعتاد أصحاب العمل والعمال على فكرة الوقاية من الأمراض المرتبطة بالحرارة، بما في ذلك أخذ قيلولة.
إندبندنت عربية
